فرض الحظر الجوي فوق سوريا وإمكانية المواجهة العسكرية بين موسكو وواشنطن

RT Arabic 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أعلنت الولايات المتحدة عن تأثرها ودهشتها واستغرابها من دوافع روسيا لإرسال منظومات الدفاع الجوي من طراز (إس – 300) إلى سوريا.

المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية بيتر كوك صرح بأن البنتاغون لا يفهم دوافع روسيا لإرسال صواريخ "إس-300" إلى سوريا، وبأن هذه المنظومات يمكنها التأثير على العمليات العسكرية للتحالف. بعد ذلك خرج المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست ليعلن أن البيت الأبيض يعتبر أن نشر صواريخ "إس-300" في سوريا يتعارض مع هدف مكافحة التطرف في سوريا الذي أعلنته روسيا، وانه لا يعلم بامتلاك داعش أو القاعدة طائرات هناك، مشيرا بسخرية وفي ذكاء منقطعي النظير إلى أنه "قد تكون لدى روسيا معلومات استخباراتية أخرى، لكنني أشك في ذلك".

دهشة وتأثر وعدم فهم وسخرية واستذكاء.. على الرغم من أن الولايات المتحدة تعرف جيدا أن منظومات (إس – 400) الأكثر تطورا موجودة منذ فترة طويلة في سوريا وبشكل علني. فما وجه كل تلك الدهشة والتأثير وعدم الفهم! لقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن منظومات صواريخ "إس - 300" وصلت إلى سوريا "لحماية القاعدة العسكرية الروسية البحرية في طرطوس. وكذلك السفن الحربية الموجودة بالمنطقة الساحلية السورية وحمايتها من الضربات الجوية". مع العلم بأن هذه المنظومة دفاعية بحتة ولا تمثل أي تهديد لأي أحد.

ولكن الغريب هنا من حيث الطرافة وإثارة الدهشة، أن البيت الأبيض أعلن أنه "لا يستبعد احتمال فرض عقوبات على روسيا وسوريا لكن بالتنسيق مع الشركاء، وأن الرئيس أوباما قد يستخدم عددا من الإمكانيات لعزل النظام وربما الروس بسبب دعمهم هذا النظام. والعقوبات من بين هذه الآليات". وبالتالي، يمكن أن ننتظر حملة أمريكية جديدة لدعوة "الحلفاء" إلى فرض عقوبات ضد روسيا. إذ أن البيت الأبيض يرى أن "تطبيق العقوبات يحقق الفاعلية الأكبر عندما تنسق واشنطن استخدام هذه الآلية مع شركائها وحلفائها في العالم أجمع".

أما الأكثر إثارة للاستغراب، وربما إثارة الغضب، أن المتحدث باسم البنتاغون بيتر كوك يظهر فجأة ليعلن أن "وزارة الدفاع الأمريكية لا تزال منحازة للتسوية الدبلوماسية للنزاع في سوريا، وأن الوزير آشتون كارتر أكد على دعم جهود الحكومة الأمريكية ووزير الخارجية جون كيري لإيجاد حل سياسي ودبلوماسي في سوريا". وبكل هدوء ذهب كوك إلى أن "البنتاغون يأمل في استمرار سريان مفعول الاتفاق مع روسيا بشأن أمان التحليقات في سوريا رغم الخلافات". وكأنه لا يعرف أن هذه الخلافات تتجه إلى عسكرة حقيقية للنزاع السوري وفي نطاق واسع للغاية، وأن رئيس الولايات المتحدة قد أمر ببحث كل السبل، بما فيها العسكرية لتسوية الأزمة السورية، وأن واشنطن تدرس جميع الخيارات المتاحة بشأن تسوية الأزمة في سوريا، بما فيها العسكرية أيضا.

المؤسسات والهيئات الأمريكية تعطي انطباعا وكأنها منفصلة تماما عن بعضها البعض، وأنها تعيش في دول وقارات مختلفة ومتباعدة ولا تعلم أي منها ما يدور في المؤسسة أو الهيئة الأخرى. بل وتتلاعب كل منها بالتصريحات وبالكلمات والمصطلحات. ومع ذلك، نكتشف في نهاية المطاف أن هناك خطا أساسيا يعكس جوهر "العنف" والمضي قدما في عسكرة النزاعات وتوسيع رقعتها باستخدام كل الأدوات الممكند، بما فيها الطائفي والمذهبي والعرقي.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر قال "لدينا بعض من الوضوح في مسألة الخيارات المتاحة بشأن تسوية الأزمة في سوريا، بما فيها العسكرية، لكننا ما زلنا نفتقد إلى الكثير من التفاصيل.. ونحن الآن ندرس ما لدينا من الخيارات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية المتاحة". غير أن وسائل الإعلام المتنفذة في الولايات المتحدة تتحدث عمليا عن "إمكانية التدخل المباشر في النزاع السوري إلى جانب قوات المعارضة". وأن واشنطن تدرس بالفعل هذا الخيار. وتم تسريب الهدف من لقاء جمع بين ممثلين عن وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية وهيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، حيث ناقشوا "تنفيذ ضربات عسكرية محدودة ضد نظام الأسد من أجل إجباره على تغيير نهجه في نظام وقف إطلاق النار خلال العمليات في حلب وفي جدوى مفاوضات سلام جادة طويلة الأمد". وأن الخيارات التي تجري مناقشتها "لا تزال سرية، وتشمل غارات على القوات الجوية السورية باستخدام صواريخ كروز وغيرها من الأسلحة بعيدة المدى، تطلق من طائرات وسفن قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن".

هذا الهدف الغريب، يؤكد على أن الضربات الجوية ليست لتغيير المعادلة على الأرض، أو لتغيير النظام في دمشق، وإنما "لإجبار الأسد على السمع والطاعة وتنفيذ ما تقوله واشنطن". ولكن التسريبات تتحدث أيضا عن شكوك كبيرة في إمكانية موافقة الرئيس أوباما الذي لم يتبق له إلا عدة أسابيع في البيت الأبيض. والأهم من ذلك، لم تتبق لديه أي سلطة حقيقية في البلاد. وليس هناك دليل على ذلك إلا ما حدث بشأن "الفيتو" الرئاسي، حول قانون "جاستا"، والذي ألقى به الكونغرس في "صندوق القمامة".

هناك مخاوف حقيقية من إمكانية نقل المواجهات القائمة إلى مواجهات بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا. وهناك أصوات في واشنطن تتحدث عن أن توجيه ضربات أمريكية مباشرة ضد الجيش السوري قد تتسبب في نشوب مواجهة مع روسيا هناك. ولكن هناك مؤشرات كثيرة تشير إلى أن واشنطن تتلكأ في البحث عن سبل، أو بالأحرى تبحث عن الذرائع والمبررات، وإن لم تجدها، فسوف تفرضها كما حدث في حالة العراق وليبيا. هذا إضافة إلى الضغوط غير المسبوقة التي يمارسها الحلفاء الإقليميون من جهة، والتحركات العسكرية التركية التي تثير قلق الجميع من جهة أخرى، والمناورات التي تمارسها دول غربية ضد الولايات المتحدة لمقايضتها على أوراق في مواقع ساخنة أخرى من جهة ثالثة.

إن محاولات فرض المناطق الآمنة في سوريا، والحظر الجوي في أجوائها، تثير الكثير من المشاكل والأزمات الإضافية، وتشكل معضلة حقيقية أمام أي تسوية. بل وتشير إلى العكس تماما، أي عسكرة النزاع وإيصاله إلى ذروته. وبالتالي، فمنع إقامة مناطق عازلة وحظر جوي، خطوة في غاية الأهمية، لأنها ستمنع ظهور فراغ ستملأه حتما التنظيمات والجماعات الإرهابية، وستقف حائلا أمام الحرب الشاملة في سوريا، وستحول دون أي مواجهات بين موسكو وواشنطن هناك.

أشرف الصباغ

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق