«الموت قادم من السماء».. حلب تودع الحياة تحت القصف والحصار

التحرير الإخبـاري 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
ارسال بياناتك
اضف تعليق

كتب - محمد شرف الدين

شاهد أيضا

بينما تنشغل العديد من القوى الإقليمية والدولية بأزماتها الداخلية، وتدق انتخابات الرئاسة الأمريكية أبواب التاريخ، تتصاعد ألسنة النيران المخيفة من حلب السورية، هذه النيران التي يبدو أن أثرها لن يقتصر أبدًا على أبنية المدينة المهدمة، ولن يحرق فقط أطفالها الذاهلين عن أسباب كل هذا القدر من الدماء والدمار.

تكثف قوات النظام السوري حاليًا - بدعم من سلاح الجو الروسي والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات - محاولاتها لاختراق دفاعات المعارضة المسلحة في الأحياء الشرقية لحلب، وذلك منذ إعلان النظام انهيار الهدنة بين الجانبين في 19 سبتمبر المنصرم.

لم توافق دمشق على الهدنة المؤقتة إلا بعد نجاحها في فرض الحصار حول حلب الشرقية مجددًا، بعد استعادتها للكليات العسكرية جنوب المدينة في 4 سبتمبر، ثم حي الراموسة في 8 سبتمبر، وهي المناطق التي كان جيش الفتح المعارض، بقيادة جبهة النصرة "فتح الشام" وأحرار الشام، قد استولى عليها في أغسطس، ونجح حينها في فك الحصار مؤقتًا عن شرق حلب.

فور انهيار الهدنة أطلق الرئيس بشار الأسد وحلفاؤه عملية واسعة للسيطرة على هذه المناطق التي يسكنها نحو ربع مليون إنسان، حيث يشن النظام حاليًا هجومًا من جميع المحاور على الأحياء الشرقية المحاصرة، التي تتحصن بها مجموعات المعارضة المسلحة المنتمية للجيش الحر، وسط قصف جوي عنيف من سلاحي الجو الروسي والسوري، وهو ما أدى إلى مقتل وإصابة المئات من المدنيين حتى الآن بينهم نساء وأطفال، وفقًا لتقارير حقوقية وأممية، فيما يطال القصف المضاد لقوات المعارضة الأحياء الغربية الخاضعة لسيطرة النظام، ويُسقط أيضًا ضحايا من المدنيين.

تضرب يد الخراب جميع أرجاء عاصمة الشمال السوري، لكن شرق المدينة الواقع تحت سيطرة المعارضة يحظى بكل تأكيد بنصيب الأسد من وليمة الدماء.

"بالكاد يبقون على قيد الحياة"، هكذا وصف منسق الإغاثة الطارئة بالأمم المتحدة، ستيفن أوبراين، حال سكان حلب الشرقية تحت حصار وقصف بشار الأسد وحلفائه، وهو الوضع الذي يراه بعض المراقبين يشبه كثيرًا نظيره في غزة إبان العمليات الإسرائيلية ضد القطاع المحاصر، والتي كان آخرها "الجرف الصامد" في يوليو وأغسطس 2014، إلا أن العملية البرية النظامية في حلب تزيد الأمر تعقيدًا ومأساوية.

تسابق موسكو الزمن فيما يبدو لتحقيق انتصارات وتغيرات درامية سريعة على الأرض في حلب، مستغلةً مرحلة "البطة العرجاء" التي يمر بها الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في الشهور الأخيرة له بالبيت الأبيض، وذلك قبل الوصول المحتمل لهيلاري كلينتون، المرشحة الديمقراطية، والتي يتوقع الكثير من المراقبين أنها لن تتخذ ذات المواقف الخجولة لـ"أوباما" في مواجهة طموحات روسيا المتزايدة.

يرى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أنه يمتلك فرصةً ذهبية لتحقيق الكثير من النقاط على حساب إدارة أوباما، التي بدأ أعضاؤها في حزم حقائبهم لمغادرة البيت الأبيض، فيما يحاول الرئيس الأمريكي ترحيل الأزمة السورية وملفها الشائك إلى خليفته المنتظر قدومه في يناير المقبل.

لكن 3 شهور ونصف الشهر لا تبدو مدةً قصيرة، بالنظر إلى ميل ميزان القوى في سوريا لصالح روسيا بشكل حاد في الفترة الأخيرة، وانهيار وتراجع المعارضة المسلحة في حلب خصوصًا تحت وطأة ضربات التحالف "النظامي - الروسي - الإيراني".

لا تعاني المعارضة المسلحة من نيران النظام فقط فيما يبدو، فهناك أيضًا "النيران الصديقة" التي تطلقها فصائلها ضد بعضها البعض بين الفينة والأخرى في ميادين القتال والسياسة، وكان آخرها حرب التصريحات والفتاوى المضادة التي اندلعت بين عدد من فصائل الجيش الحر من جهة، وجبهة "فتح الشام" من جهة أخرى.

في 23 سبتمبر الماضي أصدرت "فتح الشام" بيانًا أفتت فيه بحرمة مشاركة الجيش الحر إلى جانب تركيا في معارك "درع الفرات"، وهي الحملة التي أطلقتها أنقرة مؤخرًا لتطهير حدودها الجنوبية من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ومنع الميليشيات الكردية من احتلال الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا بشكل كامل.

جاء هذا قبل مرور يومين فقط على إصدار حركة "أحرار الشام" - حليفة "فتح الشام" في جيش الفتح - بيانًا أجازت فيه المشاركة في "درع الفرات"، وهو ما بدا صدامًا سياسيًا بين الحليفين الأقوى في صفوف المعارضة السورية، كما مثل بيان "فتح الشام" صدعًا في العلاقة مع الجيش الحر، وذلك بعد فترة من الاصطفاف والتوحد غير المسبوق خلال معارك فك الحصار عن حلب الشرقية، والذي وصل إلى إعلان فصائل "الحر" رفضها استهداف البنتاجون المحتمل للجبهة التي يقودها الجهادي الشاب، أبو محمد الجولاني.

ملامح أخرى للوضع المعقد قد تُرى في ضوء "محرقة حلب"، حيث تلتزم تركيًا الهدوء التام حيال المأساة التي تقع على بعد كيلومترات فقط من جنازير دباباتها المتمركزة في الريف الشمالي للمدينة المحاصرة.

صمت تركي رسمي لا تبدده سوى تصريحات بعض المسؤولين بين الحين والآخر، حول ضرورة وقف إطلاق النار والوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية، وهو ما يمكن رؤيته في سياق التقارب "الروسي - التركي" المفاجىء في الفترة الأخيرة، بعد إعلان الرئيس رجب طيب أردوغان اعتذار بلاده عن إسقاط طائرة حربية روسية في نوفمبر الماضي.

تبدو أنقرة - حتى الآن - غير مكترثة كثيرًا لما يدور في حلب، بقدر اهتمامها بتوسيع نفوذها في الشمال وانتزاع السيطرة على مدينتي دابق والباب، آخر معاقل تنظيم "الدولة الإسلامية" القوية في أقصى الشمال السوري، وذلك بعد توقف العمليات التركية ضد الأكراد تحت ضغوط أمريكية.

 يحظى الهجوم التركي برضا روسي لا ترغب أنقرة في خسارته - حاليًا على الأقل - حيث قد يؤدي أي تحرك منها لإنقاذ حلب الشرقية على الصعيد السياسي أو العسكري - بشكل مباشر أوغير مباشر - إلى إغضاب موسكو.

في ذات السياق، وعلى مسافة عشرات الكيلومترات إلى الجنوب الغربي من حلب، نهار الأحد الماضي، مسلحون تابعون لجماعة "جند الأقصى" المعارضة - والحليفة لجبهة "فتح الشام" - يقتلون الطفل "رامي السجناوي"، البالغ من العمر 14 عامًا، رميًا بالرصاص في إحدى الساحات العامة بمدينة "خان شيخون" التابعة لمحافظة إدلب بتهمة "سب الدين".

انتشر تسجيل مصور للواقعة، أمس الثلاثاء، عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل الحياة في هذه البلاد، وعن الخيارات الكارثية المتاحة أمام المدنيين السوريين المحاصرين بين قنابل روسيا العنقودية، وبراميل النظام المتفجرة، وسكاكين التطرف الحادة، هذا بينما يرقب سكان حلب الشرقية في هذه اللحظة موتًا جديدً قادمًا من السماء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق