اقرأ| «حديث الأربعاء».. ساعة مع المثقب العبدي “9”

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كان حال صاحب طه حسين، هذا الأسبوع كحال أكثرنا لا يعرف من أمر المثقب العبدي شيئا، وعندما ذكر طه حسين هذا الاسم أمام صاحبه قال له ضاحكا، ومن يكون المثقب العبدي هذا؟، إنك لتبحث لي عن النكرات، وعن شعراء لم أعرف من أمرهم شيئا.

أفضى طه حسين، لصاحبه بما يعرفه عن هذا الشاعر قائلا: المثقب شاعر معروف، كان القدماء يذكرونه ويروون شعره، ويعجبون به أشد الإعجاب، كما روى له المفضل الضبي ثلاث قصائد، وحفظ الرواة له ديوانا كاملا، لكنهم مع ذلك لا يعرفون عنه الكثير، فقد فسروا لقبه ببيت من شعره، وكانوا يختلفون في اسمه، فيسميه بعضهم محصنا، والبعض يسميه عائذ بن محصن أو عائذ الله بن محصن، وأقروا بنسبه في عبد القيس من قبائل ربيعة التي كانت تسكن البحرين، ويتحدثون أنه اتصل بعمرو بن هند ومدحه، ومدح النعمان بن المنذر، وقيل أيضا إنه مات في الجاهلية ولم يدرك الإسلام.

أتم طه حسين، تعريفه للشاعر ثم قال لصاحبه: لا أدري أتتذوق شعر المثقب أم لا، ولكني أراه جميلا، شديد التأثير في النفوس، يثير كثيرا من الخواطر الشاحبة الحزينة التي لا تخلو من أن تثير لذات شاحبة حزينة مثلها، ويعجبني هذا الشاعر أيضا لأنه بقي وثبت، وأكره الرواة على روايته، والشراح على شرحه وتفسيره، وأتاح للغويين وأصحاب النحو أن يستنبطوا منه كلمات كانوا يجهلونها، ومذاهب في النحو لعلهم لم يكونوا ليهتدوا إليها، لو لم ينقل لهم الزمن هذا الصدى الضئيل.

المثقب العبدي، سواء أكان شاعرا جاهليا من عبد القيس أو من غير عبد القيس، أم كان راوية إسلاميا، من أهل الكوفة أو البصرة، فقد كان خفيف الروح، عذب الحديث، قوي النفس، شديد الحزم، يكاد ينتهي بشيء من الغلظة، رقيق القلب مع ذلك يكاد يذوب رقة ولينا.

والدليل على ما سبق هذه القصيدة التي سنقرؤها، التي أحبها القدماء جدا، حتى قال عنها أبو عمرو بن العلاء: لو كان الشعر كله كهذه القصيدة لوجب على الناس أن يتعلموه.

أفاطمُ! قبلَ بينكِ متِّعينى

ومنعكِ ما سألتكِ أنْ تبينى

فَلا تَعِدي مَواعِدَ كاذِباتٍ

تمر بها رياحُ الصيفِ دوني

فإنِّى لوْ تخالفني شمالى

خلافكِ ما وصلتُ بها يميني

إذاً لَقَطَعتُها ولقُلتُ: بِيني

كذلكَ أجتوى منْ يجتويني

ها هو منذ البداية يبدو قليل الرفق بصاحبته لا يتوسل إليها ولا يطلب النظر في وجهها بما يكون عليه العاشق من الرفق والتذلل، إنما هو يطلب منها ذلك في شيء من الجدال المنطقي العنيف، ثم يتهمها بالكذب والإخلاف في لقائه، ثم يهددها قائلا إن يدي اليسرى لو تخالفني مثلما تخالفيني لمنعت اليمنى من وصلها، بل لقطعتها نتيجة هذه المخالفة.

وبعد أن ينتهي المثقب من غزله ويبدأ في وصف ناقته، يأتي بأبرع الأبيات وأصفاها في صور بكر كأن لم يسبق لها من قبل، وهي أنه يشعر بما تحمله ناقته من تعب في الأسفار والرحيل فيقول:

إذا ما قمتُ أرحلها بليلٍ

تأوَّهُ آهةَ الرَّجلِ الحزينِ

تقولُ إذا دَرأْتُ لها وَضِيني

أهذا دينهُ أبداً ودينى؟

أكلَّ الدَّهرِ حلٌّ وارتحالٌ

أما يبقى علىَّ وما بقيني!

يقول طه حسين، عن هذا الوصف وهذا المشهد الذي صوره لنا المثقب: أما أنا فأرى أنه من أروع ما قال الناس، لا في اللغة العربية وحدها، بل في كل اللغات.

يستمر المثقب في نسجه الرائع لهذه القصيدة حتى ينتهي فيها بأفضل مما بدأ به قائلا:

وما أَدري إذا يَمَّمتُ وَجها

أُريدُ الخَيرَ أَيُّهُما يَليني

أَلخَيرُ الذي أنا أَبْتَغيهِ 

أَمِ الشَّرُّ الذي هو يَبْتَغيني

الرابط الدائم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق