نائب الدور التحتاني والنظام الخلوق

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يخرجون الشعب من حقائب سياراتهم حينما يحتاجون إلى ما يستندون عليه في نزواتهم السياسية ومنافعهم الضيّقة. يخرجونه ليمتدحوه تارّة وتارّة أخرى ليتهموه بتخريب البلاد والإضرار باقتصادها. فهنا يمكث الإعلامي رجل الأعمال ليخبرنا بأن الأزمة ليست أزمة إدارة، وهناك يقف الوزير ليحدثنا عن عجز الشعب عن الخروج من الأزمة، كما أخبرنا الرئيس بأنه يدرك أكثر منّا بأن تلك الحكومة جيدة وصالحة بحجة أنه يقابلهم دائماً ويجلس معهم بينما نحن لا نراهم إلا على شاشات الفضائيات ونشرات الأخبار، ويا لها من حجة!
أما أنا فأدرك أكثر وأكثر بأن الشعب ليس مسؤولاً عن الأزمة بدليل إنني أقابله باستمرار وبصفة دائماً ولا يغيب عن مجال رؤيتي إلا ساعات النوم، بل إنني أجزم بحقيقة عجيبة جداً وهي أن الشعب هو المتضرر من الأزمة التي تعيشها مصر على المستوى الاقتصادي والأمني والسياسي!
يخرجون الشعب من جعباتهم ليخبرونا بأنه القائد والمُعلم، ثم يعودون لينعتوه بأقبح الصفات من الاستهتار والجهل والتخلف والسفه، وكأنهم بين ليلة وضحاها قد اكتشفوا بأن الشعب قد تبدّل بآخر غير الذي نافقوه يوماً كي ينالوا تأييده، فكيف لتلك العقليّة أن تقتنع بأنها تعمل لدى هذا الشعب الذي لا يتجاوز –في نظرهم- كونه مجرد وسيلة لتمرير سياسات مرسومة مسبقاً؟ سواء كان التمرير هنا بامتداح الشعب أو بالهجوم عليه. فحينما تنجح خطوة يُمتدح عليها النظام السياسي، وحينما تفشل أخرى يُعاب على الشعب، وهكذا تدور عجلة إنتاج الإعلاميين والسياسيين.
وقف أحد نوّاب مجلس الشعب في إحدى الجلسات بعد أن طلب الكلمة لا ليتحدث عن سبل الخروج من الأزمة أو ضرورة استجواب وزير تحوم علامات الاستفهام حول سياساته، ولا للحديث عن ضرورة احتواء الشباب بعد فشل الكهول والمسنين، ولا حتى للحديث حول قوانين تعوق مسيرة النهضة الاقتصادية المزعومة. بل قام هذا الشخص ليقترح أن تقوم الدولة بإجراء كشف عذرية على كل فتاة تتطلّع إلى الالتحاق بالجامعة للتأكد من عفّتها. هذا هو باختصار ما يمكن وصفه بالحضيض أو قاع الحفرة أو بالأحرى الشبر الأخير في البالوعة. فالنائب معذوراً قد عبّر عن التطور الطبيعي لتحالف الرجعية والفساد في لقاء تاريخي نعيشه بصفة يومية. الرجل ليس مهتماً بمعدلات الفقر والغلاء والجوع والمرض والظلم والفوضى السياسية والإرهاب والفكر المتطرف، فهذا الشخص غير مهتم في الواقع إلا بفرض مكارم الأخلاق الحميدة التي لا تهتم إلا بما بين فخذي فتاة حيث يتطلّع سيادته بدلاً من التطلّع إلى مستقبل البلاد التي يمثل جزء من شعبها في المجلس التشريعي.
في الحقيقة، إن قصة هذا النائب موحية ومعبّرة جداً وهي أكبر وأعمق من مجرد مقترح تافه ووضيع، بل إنها واقع حقيقي وكاشف عن مضمون الفكر الحاكم للبلاد ولكن الفارق بين المسؤول والنائب هنا أن النائب قالها مباشرة في هيئة مقترح لسبب خارج عن إرادته وهو النقص البشع في القدرات الذهنية وفي قدرات أخرى.
المقترح معبر جداً عن سياسات المرحلة التي نجد فيها بلادنا التي تعاني أكبر أزمة في مجال السياحة، بينما يقف الضبّاط على طرق السفر ليسألوا هذا وهذه عن صلة قرابتهما ويبدأوا في نقاش مشروعية الصداقة بين فتى وفتاة والاختلاط بين الجنسين وكل تلك القضايا القويمة في لجان الشرطة على الطرق الصحراوية. فهي حكومة خلوقة ونظام وقور لا يهمهم الفقر والموت جوعاً ومرضاً وغرقاً، ولكن يهمهم ألا يلمس رجل بيد فتاة دون زواج. لا يهمهم التحرش الذي أصبح روتيناً يومياً في الشوارع والمواصلات، بل الأهم هو أن يتأكدوا أن جامعات مصر مترعة بالعذراوات كي لا تضيع هيبة الأخ النائب والحكومة التي يدين لها بالولاء والنظام السياسي الذي أنجب تلك المنظومة الأخلاقية الجميلة والتي لا تعبأ بأي شيء سوى الأخلاق الحميدة، فها هي أضاعت الاقتصاد والسياحة والحريات والأمن وحقوق الإنسان والقيمة الثقافية والفنية والأدبية لمصر ولكن هذا لا يهم، ولا حتى يهم أن “نبقى كده” أما الأهم هو حماية الأخلاق والرقابة الصارمة على الأعضاء التناسلية.

الرابط الدائم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق