عبدالناصر فى ذكراه

الوطن 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تمر هذه الأيام ذكرى وفاة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر‏، وقد كنت فى صغرى متيماً، مثل جيلى، بناصر، وكنت أراه فى سنوات شبابى الأول زعيماً مثالياً، حتى كبرت ونضجت ودرست وتعمقت فى دراسة التاريخ المصرى الحديث ودرست قصة هزيمة يونيو سنة ‏1967‏ التى عشت طفولتى فيها ورأيت كمّ الشهداء من شارعنا وأقاربنا‏.‏

وفى مرحلة النضج هذه رأيت أن عبدالناصر وقع فى أخطاء سياسية واقتصادية وعسكرية جسيمة رغم وطنيته الجارفة ورغم زهده وتعففه عن المال الحرام.

وفى كل عام مع مرور ذكرى وفاة عبدالناصر يتمنى بعض حوارييه أن تعود مصر مرة أخرى إلى عصره وزمانه، وهذا والله من الأوهام رغم صعوبة هذا الزمان والأحوال على مصر.

فالصين حينما أرادت أن تبنى نهضتها الحديثة لم يقل أحد من رواد نهضتها: نعود إلى عصر ماوتسى تونج، لقد احترموا وطنيته ولكنهم لم يكرروا أخطاءه.

ولو تمسك حكام الصين اليوم بتراث «ماو» لكانت بلادهم نموذجاً للفقر والاستبداد والدماء والكراهية والإقصاء والسجون والتعذيب، ولكنهم تعاملوا مع «ماو» كصفحة من تاريخهم، فلم يشتموه أو يسيئوا إليه أو يهيلوا التراب عليه ولكنهم لم يقدسوه أو يتحولوا عبيداً للكتاب الأحمر.

لقد رأوا أن صفحته قد طويت، وأن اللحاق بقطار التقدم يحتاج مع الوطنية وتحرير القرار الوطنى إلى الحريات العامة والديمقراطية وتداول السلطة ومنع الاستبداد والاقتصاد الحر الذى لا يعرف الاحتكار أو الرشوة أو الفساد.

وعندما فعلوا ذلك وانفتحوا على العالم كله وأعطوا الإنسان الصينى حرياته حينها استطاعوا أن يتجاوزوا الاقتصاد الألمانى سنة 2007، واليابانى سنة 2008، ومن المحتمل أن يتجاوزا الاقتصاد الأمريكى سنة 2030.

أما روسيا فلم تستطع أن تصنع ما صنعت الصين أو حتى كوريا الجنوبية.

أما فى مصرنا فهناك تيارات تتسمى بأسماء الحكام فى سابقة فريدة، حتى هيكل نفسه المتبتل فى محراب عبدالناصر وصانع أفكاره الحقيقى والذى صاغها له قد قرر بشجاعة أنه ليس هناك ناصرية، فكل حاكم مشروع فقط وليس نظرية سياسية دائمة، أو مذهباً فى الحكم، وكل مشروع له إيجابياته وسلبياته، إنجازاته وإخفاقاته.

ونحن إذا أردنا النهضة الحقيقية فعلينا أن ننهج هذا النهج، نقدّر وطنية الرئيس ناصر وإخلاصه ولكن لا يمكن أن تعود مصر إلى عهد الحزب الواحد، وبقاء الرئيس فى السلطة مدى الحياة دون انتخابات والاكتفاء بالاستفتاءات.

لقد كان عبدالناصر وطنياً حتى النخاع ولكنه كان محباً للانفراد بالحكم دون غيره فأمم كل شىء، أمّم الاقتصاد، وأمّم الإعلام، وأمّم السياسة، وأمّم الصحافة، وأمّم الكلمة وأمّم الإنسان المصرى لصالحه وفكرته وشخصه.

وكان يمكنه أن ينجح فى أى انتخابات حقيقية، ولكنه آثر ألا تكون هناك انتخابات على الإطلاق مهما كان سيكتسحها، عبدالناصر أقصى الجميع بلا استثناء، كان يريد أن يبدأ تاريخ مصر منه وحده، ألغى سعد زغلول والنحاس، وألغى محمد نجيب نفسه، حتى طمس صور الملك فاروق من الأفلام، فكرة إلغاء التاريخ غير منطقية، وإقصاء الآخر من الحاضر ضرب من الخيال.

عبدالناصر كانت له حسنات كثيرة، ولكن تقديسه أو تحويل هزيمة يونيو إلى نصر، أو تحويل نصر أكتوبر إلى هزيمة ليس من العقل فى شىء، وكذلك تدنيس عبدالناصر وإهالة التراب عليه وبخسه حسناته ليس من العقل.

وفى كل البلاد غير مصر لا يتم تأليه الحاكم أو تقديس حكمه فى حياته أو بعد موته أو تنجيسه، ولكننا فقط دون الأمم نقدس الحاكم ونؤلهه أو نبخسه وننجسه وندور دوماً بين التطرفين.

إن الحكمة تقتضى أن نعدل مع الناس عامة والحكام خاصة وأن نأخذ منهم أحسن ما عندهم، ونستغفر الله لهم فيما سوى ذلك.

حسنات عبدالناصر كثيرة أهمها استقلال القرار الوطنى وإجلاء بريطانيا وتعففه وأسرته عن مال الدولة، ومساعدته للدول العربية والإسلامية فى التحرر من الاستعمار.

ولكن أخطاءه كثيرة أيضاً وأخطرها الديكتاتورية والاستبداد، وإلغاء تداول السلطة وبروز التعذيب والاعتقال والسجن السياسى فى عصره بما لم يحدث فى تاريخ مصر، وتأميم الصحافة والاقتصاد وإلغاء الحرية العامة، وكذلك مسئوليته الكاملة عن هزيمة يونيو سنة 1967 وتسليمه الجيش المصرى العظيم إلى صديقه الرائد عبدالحكيم عامر وترقيته لأول مرة فى تاريخ مصر استثنائياً سبع رتب كاملة مما أدخل المحسوبية فى الجيش، إلا أن إعادة بناء الجيش المصرى وعدم الانهزام أمام الهزيمة كان من أبرز حسنات عبدالناصر وأعظم خواتيم عمله التى لقى الله بها.

ومن سلبياته التأميم وإن كان من حسناته أنه أعطى ما أمّمه لمؤسسات الدولة وليس مثل الذى باع القطاع العام بثمن بخس ليذهب ثمنه إلى جيوب القطط السمان.

والآن علينا أن نستلهم الجيد من تاريخنا والأفضل من تجارب حكامنا ونأخذ من كل منهم أفضل ما عنده، وألا نهيل التراب على تاريخهم أو نبخسهم حقهم أو يجعلهم البعض آلهة أو أنصاف آلهة أو يحولهم البعض إلى شياطين مردة، الحكام بشر يريدون خدمة أوطانهم، وكل منهم له تجربته الخاصة بمزاياها وعيوبها.

رحم الله عبدالناصر وكل من سعى لخدمة البلاد والعباد رحمة واسعة وغفر الله لهم ما وقع منهم من هنات وأخطاء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق