ذكريات سبتمبر وأكتوبر.. وضرورة إحياء يناير ويونيو (1 - 2)

الوطن 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

مرت بمصر خلال شهر سبتمبر الماضى ذكريات حزينة، كما فى كل عام، كما ستشهد بعد أيام ذكرى غالية تتكرر فى كل أكتوبر.

أما الذكريات الحزينة فتبدأ بيوم وفاة جمال عبدالناصر فى الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، وتتبعها ذكرى قرارات «السادات» فى الخامس من سبتمبر 1981. وإن كان المصريون يحتفلون بذكرى وفاة «عبدالناصر» سنوياً بدرجات تختلف من عام إلى آخر حسب أحوال الحكم القائم، فإن كان مشايعاً لـ«عبدالناصر» ولو فى الظاهر يكون الاحتفال بالذكرى مشهوداً، وإن كان النظام كارهاً لـ«ناصر» اختفى الاحتفال الرسمى واقتصر على زيارة لأسرة «جمال» وبعض المحبين القلائل إلى قبره. ورغم اختلاف الناس فى مصر والعالم فى تقييم «عبدالناصر»، فلا شك أنه كانت له إنجازات مشهودة، أهمها الانحياز إلى فكرة العدالة الاجتماعية ومسئولية الدولة عن توفير الخدمات الأساسية من تعليم ورعاية صحية وتأمينات اجتماعية، والاهتمام بالتنمية الصناعية وإقامة قطاع عام قوى وفاعل فى خلق الوظائف وفرص العمل الحقيقية والمساهمة فى توفير السلع وضبط الأسواق بكفاءة كانت مشهودة فى أيامه. كما كانت لـ«ناصر» إخفاقات مشهورة، كانت لها تأثيراتها السالبة حتى اليوم، أبلغها عدم إيمانه بفكرة الديمقراطية وتأسيسه نظام حكم استبدادى سياسياً، اعتمد على السيطرة الأمنية، اختفت الأحزاب وحل محلها «التنظيم السياسى الواحد» بدءاً من «هيئة التحرير»، ثم «الاتحاد القومى»، وأخيراً «الاتحاد الاشتراكى».

وكانت نكسة 1967 هى القاضية بعد مغامرة عسكرية غير مبرّرة فى اليمن، وانشغال سياسى وعسكرى فى دول أفريقية كان له منطقه لمساعدتها فى التحرُّر من الاستعمار ونيل استقلالها. وبعد النكسة انشغل «عبدالناصر» حتى وفاته، بإعادة بناء القوات المسلحة، وقد حقّق فيها إنجازاً مشهوداً بمساعدة قيادات تاريخية فى القوات المسلحة، ومن أهمهم الفريق محمد فوزى.

ومن ناحية أخرى، فقد نسى المصريون الذكرى الحزينة الأخرى، وهى قرارات الخامس من سبتمبر 1981 التى أصدرها «السادات»، وهم يؤكدون بهذا قول نجيب محفوظ فى رواية «أولاد حارتنا»: «آفة حارتنا النسيان»، وكان حرياً بهم أن تظل تلك الذكرى ماثلة فى أذهانهم، حتى لا يكررها مستبد آخر! فقد أصدر «السادات» قرارات باعتقال جميع القيادات السياسية والدينية والطلابية بجميع انتماءاتها ومراكزها وأعمارها، وعددهم 1500 شخص؛ وإغلاق كل الصحف غير الحكومية. وقد استند «السادات» فى قراراته تلك إلى المادة 74 من الدستور المصرى آنذاك، التى كانت تنص على أن لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يُهدّد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستورى أن يتّخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجّه بياناً إلى الشعب، ويجرى الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوماً من اتخاذها! لكن بعد ثلاثة وثلاثين يوماً فقط من حملة الاعتقالات تلك، اغتيل «السادات» يوم السادس من أكتوبر 1981!

أما شهر أكتوبر، فإن أهم ذكرياته فى وعى المصريين هو نصر أكتوبر 1973، الذى أزال آثار نكسة يونيو 1967، الذى كان نتيجة جهد خارق للعادة فى عملية إعادة بناء القوات المسلحة المصرية ومن ثم إعادة الروح إلى أفرادها، وشحن الفرد المقاتل بالعزيمة والإصرار على النصر رغم قتامة الظروف التى أعقبت الهزيمة، وحالة التمزُّق والإحباط القومى العام التى سادت مصر كلها. وكان لحشد كل الطاقات الممكنة وتوظيفها فى تناغم لتحقيق أقصى عائد ممكن أثر كبير، ثم كانت براعة اختيار المواقع المحدّدة للضربة الجوية الأولى، وهى شبكة الاتصالات الإسرائيلية، درساً مهماً فى التركيز على العوامل الحرجة ذات التأثير، فقد كان الشلل الذى أصاب القوات الإسرائيلية نتيجة انقطاع الاتصالات بينها وبين قياداتها من العوامل الأساسية فى حسم نتيجة الحرب منذ ساعاتها الأولى. وقد نجحت القيادة العسكرية المصرية فى توظيف القدرة الابتكارية لخبرائها، للتوصل إلى الحل العبقرى غير التقليدى للتغلب على الموانع المائية والترابية التى احتمى وراءها العدو سنوات طوال منذ يونيو 1967.

وكان من قبيل استكمال حشد الطاقات وتنسيقها، تركيز القيادة السياسية المصرية فى ذلك الوقت على حشد التأييد العربى الرسمى والشعبى، الذى تمثّل بقوة غير مسبوقة فى القرار العربى بوقف ضخ البترول إلى العالم الغربى الذى اعتاد التأييد غير المحدود للعدو الإسرائيلى، والذى جعله قرار حظر تصدير البترول يراجع حساباته، التماساً للتقييم الصحيح لمصالحه، والبُعد عن الانحياز المطلق لإسرائيل على حساب الحق العربى. كما كانت شفافية الإعلام المصرى ومصداقيته من الدروس الخالدة لحرب أكتوبر، فقد التزم الإعلام المصرى الصدق والوضوح فى عرض العمليات العسكرية ونتائجها وتطوراتها الإيجابية منها والسلبية، مما جعل الشارع المصرى والعربى يتجه إليه لمعرفة الحقائق والتحول عن متابعة الأخبار من مصادر أجنبية، كما كان الحال أيام يونيو 1967.

وثمة ذكرى أخرى يوم تولى الرئيس الأسبق «مبارك» رئاسة الجمهورية يوم الرابع عشر من أكتوبر 1981 بعد اغتيال «السادات»، وقد بدأ عهده بالإفراج عن جميع المعتقلين واستقبالهم فى قصر الرئاسة، وتم عقد المؤتمر الاقتصادى فى 13 فبراير 1982، ونجح فى رأب التصدّع فى علاقات مصر بالدول العربية، التى كانت مقطوعة، باستثناء العلاقات مع السودان وسلطنة عمان، رداً على لقاء «السادات» فى القدس عام 1979، وخطابه فى الكنيست، ثم مشاركته فى محادثات «كامب ديفيد»، ثم توقيعه اتفاقية السلام مع إسرائيل.

ولم تستمر البدايات المبشّرة لعهد «مبارك»، وبدأت فى الظهور طبيعته الاستبدادية وميله إلى الانفراد بالسلطة ورفضه تعيين نائب له، ورفضه تعديل الدستور الذى كانت القوى السياسية تُلح عليه، وتهميشه دور المعارضة الوطنية وإقصاء الأحزاب المدنية عن أى مشاركة فى القرار الوطنى، مع الاستمرار فى عمليات تزوير الانتخابات واصطناع فوز الحزب الحاكم على جميع الأحزاب التى عمدت -بالتنسيق مع جهاز مباحث أمن الدولة- إلى الحصول على مساحة فى مجلسى الشعب والشورى، وكان لذلك التنسيق مع جماعة الإخوان المسلمين مردوده فى حصولها على ثمانية وثمانين مقعداً فى مجلس الشعب عام 2005!

ثم ارتفعت وتيرة الاستبداد المباركى، وزادت سطوة رجال الأعمال أعضاء الحزب الوطنى وأمانة السياسات به، التى ابتدعها جمال مبارك، وتم تنفيذ جريمة الخصخصة وإهدار ثروة الشعب فى شركات قطاع الأعمال العام، كما تم توقيع اتفاقية «الكويز» مع الكيان الصهيونى، ثم نشأت فكرة التوريث، وشاع بين الناس أن «مبارك» يُعد العدة لنقل الحكم إلى ابنه فى الانتخابات الرئاسية التى كان مزمعاً إجراؤها فى نوفمبر 2011. من أجل ذلك، انتفض المصريون فى الخامس والعشرين من يناير 2011، وثورة امتدت ثمانية عشر يوماً مجيدة، كان شعارها الأساسى «الشعب يريد إسقاط النظام»، وكان للمصريين ما أرادوا، واحتفلوا يوم الحادى عشر من فبراير 2011، بتخلى «مبارك» عن منصبه بعد أن قضى ثلاثين عاماً فى الحكم.

ثم كانت للمصريين وقفة أخرى فى 30 يونيو 2013 مع الجماعة التى ركبت موجة ثورة 25 يناير، وتمكنت من إقامة حكم فاشى ينكر الدولة المدنية وقيم المواطنة، وانقلب على القانون، وتربّص بالقضاء.

وإلى مقال الأسبوع المقبل بإذن الله.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق