وقائع تآمر معلن!

الوطن 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

فى رواية «وقائع موت معلن» للكاتب الكبير جابرييل جارسيا ماركيز (الحائز على «نوبل»)، مجموعة من المشاهد تثير دهشة بالغة، وهو ما حرص عليه طوال إبداعاته الأدبية حتى وصفه النقاد برائد «الواقعية السحرية»، فكان «ماركيز» يستخرج من أكثر الأحداث التصاقاً بالواقع المعيش معانى ودلالات تصيغ فعل الإدهاش بصورة فريدة، وفى هذا الموت المشار إليه بعنوان الرواية، أنه وقع على خلفية جريمة قتل بحق «سنتياجو نصار»، والمذهل أن جميع أبطال الرواية، بمن فيهم أم وخطيبة، والكثير من أصدقاء الضحية، كانوا يعلمون بتفاصيل هذه الجريمة التى كانت ستقع على يد الأخوين «فيكاريو»، بل إن البعض منهم قام بأدوار مساعدة لإتمام عملية القتل، بحُسن نية فى معظم تفاصيل تلك الأدوار، والكاتب اختار لروايته المشحونة بالتفاصيل زمناً واقعياً قصيراً جداً، بدأ بعد منتصف ليل الاثنين وانتهى فى السابعة صباحاً، ولا يمكن اختزال الرواية الفذّة فى جملة واحدة، سوى أن هذا الموت المعلن كان معلوماً للجميع وللقتيل نفسه. هل هى الواقعية التى استدعت تلك الرواية إلى ذهنى ودفعتنى لاستعارة عنوانها، بل صارت تدق رأسى بعنف، وأنا أتابع كغيرى الفصل المأساوى الذى صاحب صدور القانون الأمريكى «جاستا»، فصدور القانون بهذا الغموض، وفى هذا التوقيت الأمريكى الرمادى، يدفع المشهد إلى خلط كبير بين ما هو سيادى وما يُراد له أن يكون قانونياً، والمساس بحقوق سيادة الدول أمام محاكم أمريكية، لا يمكن أن تتم بهذه الخفة التى يُراد لنا أن نتابعها، لا سيما أن الأجندة السياسية المصاحبة لهذا القانون رائحتها تطغى على نصوص وإجراءات تقاضٍ زائف، فرغم أن النصوص القانونية فى الأصل لها طبيعة مجرّدة، وهى الخاصية الأهم فى أى تشريع وبداخل أى دولة، فإن جميع أبطال الرواية يعلمون ويتحدّثون عن قانون صيغ وصدر ضد الدولة السعودية، وهى أولى المفارقات المعلنة، والثانية تربط القانون بحادثة إرهابية لم يتوقف الجدل بشأنها حتى اليوم، فالهجوم على برجى التجارة سُطرت له آلاف الصفحات «الأمريكية» التى تضرب الرواية الرسمية فى الصميم، وآلاف مماثلة «أمريكياً» من المقاطع المصورة والتحليلات التى نسفت إمكانية حدوثها بواسطة «القاعدة» ومجموعة هواة ومتدربى الطيران المشار إليهم، وبات الظن أن استثمار تلك الخدعة الكبرى سيقتصر على حربين شنتهما إدارة «بوش الابن»، ودمرت على أثرهما دولتين.

ففى الوقت الذى بدت فيه مكاتب المحاماة الأمريكية تنشط فى صياغة الفصل الأخير للرواية، وهى تتجهّز بموكليها فى سباق محموم على كعكة التعويضات الشهية، نقف نحن على الجانب الآخر وكأننا لا نزال نحبو فى الفصل الأول، رغم أن الوقائع كانت معلنة منذ المشهد الافتتاحى، فأمريكا مع هذه الإدارة التى تستعد للرحيل، أبرمت أكبر اتفاقية تسليح فى تاريخها وتاريخ إسرائيل «38 مليار دولار»، لتُزلزل بقوة التوازن الاستراتيجى للمنطقة، رغم أى اعتبارات سلام مزعوم، وأنجزت مع إيران الاتفاق النووى الذى رفع عنها القيود لتخرج من القمقم، وتجعل الخلل الأمنى المحتمل واقعاً معيشاً، له فصوله العراقية والسورية واللبنانية.

الوقائع كانت تبث على الهواء مباشرة، والكثيرون كانوا يكذّبون الراوى ويتلهون عنه بتأويلات خاطئة، والسعودية نفسها عاينت الحقيقة فى زيارة «كامب ديفيد»، لكنها كذّبت عينيها، وعادت لتعمق المأساة بمراهنات خاطئة، تارة على تركيا التى هى إيران أخرى، فقط بلباس عثمانى مزركش، وتارة وهى تقود الخليج إلى معادلة مأزومة يُراد فيها لدويلة قطر أن تكون «الموديل» ومتحدث المنطقة الرسمى، تماماً كما حدث فى «كامب ديفيد» فى البروتوكول الجديد، عندما أوقف «أوباما» ممثلى دول الخليج صفاً واحداً، وقدّم أمير قطر ليكون هو الوحيد المتحدث والمعقّب على كلمته التى لم يقل فيها شيئاً، الرواية أيضاً قدّمت بعضاً من أسئلة المصير لبلدان المنطقة الرئيسية، والتى لم تشغل أحداً بالقدر الكافى للإجابة عنها، فمصير الأبطال ليس حتمياً، رغم التعقيد الدرامى المدهش، فقط كان «ماركيز» يُسطر الوقائع بروح المذهول والمستريب من هؤلاء الذين لم يتقدّموا لمنع الجريمة، كان يريد -مثلنا تماماً- أن يتقدم أحدهم للإجابة عن سؤال المصير.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق