وشَهِد شاهِدٌ من أهلها.. شيمون بيريز "لم يكُن رجل سلام"

مصراوى 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتبت – رنا أسامة:
لطالما كان يُنظر إلى شيمون بيريز- الذي وافته المنيّة الأربعاء الماضي عن عُمر يُناهز 93 عامًا- باعتباره "أمير السلام" الإسرائيلي، فاحتل نصيبًا كبيرًا من الاحترام لدى القادة في جميع أنحاء العالم، الذي أتوا إلى القُدس من كُل حدبٍ وصوب لتقديم تعازيهم الحارّة لرجل دولة إسرائيل المُخضرم، الذي قضى حياته كاملًا رمزًا  للسعي وراء المُصالحة مع الفلسطينيين.

لا شكّ أن السيّد بيريز كان ليحب أن يدخل التاريخ كصانِع للسلام، غير أن هذا الأمر لا يُمثّل الحقيقية، حسبما يقول المؤرّخ الإسرائيلي طوم سيجيف في مقال نُشّر على صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكيّة، الذي أوضح أن أعظم إسهامات بيريز كانت تصُب في صالح قوة إسرائيل العسكريّة. وبالرغم من اشتراكه في اتفاقيّة أوسلو للسلام، التي كانت سببًا في منحه جائزة نوبل عام 1994، جنبًا إلى جنب مع رئيس الوزراء اسحق رابين والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، إلا أن فكرة إيجاد حل للصراع الفلطسيني- الإسرائيلي لم تكُن شُغله الشاغِل أو إحدى أولوياته.

العلاقة المُقرّبة بـ ديفيد بن غوريون، الأب المؤسّس لإسرائيل، والإعجاب الشديد بأفكاره وقناعاته، جعلت بيريز يتأثّر بها ويُشاركه قناعته التي ترمي إلى أنه "لن يكون هُناك سلامًا حقيقيًا بين إسرائيل وعرب فلسطين، على الأقل لعدة أجيال".

تمامًا كما نائب وزير دفاع حكومة بن غوريون، فإن بيريز تحمّل مسئوليّة الإجراءات التعسّفيّة والقيود الصارمة التي فرضها الجيش الإسرائيلي على المواطنين العرب في البلاد، بما في ذلك عمليات مُصادرة الأراضي.

اهتم بشكل حاسِم بشأن تطوير صناعة إسرائيل العسكريّة، بما في ذلك تطوير الأسلحة. في بداية عام 1950- بعد سنوات قليلة من إعلان إسرائيل الاستقلال- خلُص بيريز إلى أنه ينبغي على إسرائيل تطوير خيارها النووي، لذا قام بإجراء اتصالات سريّة مع فرنسا للحصول على تِقنيّات نووية، حتى أن المُفاعِل النووي الذي يقع بالقُرب من قرية ديمونة في صحراء النقب الآن جاء بفضل تلك الجهود.

على ذات المِنوال، جرى اهتمامه بالشؤون السياسيّة والعسكريّة، إذ تحلّى بالكثير من الجرأة، فكان على استعداد للمُخاطرة بكافة الخيارات الدبلوماسيّة والعسكريّة تقريبًا، بغضّ النظر عن واقعيّتها أو منطقيّتها.

في عام 1967، سعى لتجنّب حرب الأيام الستة؛ تحسّبًا لوقوع خسائر فادحة في صفوف الجيش الإسرائيلي، وورد أنه اقترح خيارًا آخر بدلًا من الذهاب إلى الحرب، تمثّل في "قيام إسرائيل بتفجير جهاز قوي وصاخِب من أجل ترهيب مصر والأردن وسوريا في مواجهة خطتها لمُهاجمة إسرائيل"، غيرَ أن اقتراحه هذا لم يلقَ الدعم المطلوب، ورجّح سيجيف أنه إذا كان قد تم تنفيذ ذلك المُقترح فكان من المُمكن تغيير مسار الكثير من الأحداث التي وقعت على مدى الخمسين عامًا الماضية، بما في ذلك تجنذب احتلال إسرائيل للضِفّة الغربيّة وغزّة.

على مدار حياته السياسيّة، كان لبيريز دور رئيس في اضطهاد الفلسطينيين الذين عاشوا قُرابة النِصف قرن في ظل حُكم الاحتلال الإسرائيلي. في 1975، حينما كان يشغل منصب وزير دفاع البلاد- سمح لواحدة من أوائل جماعات الاستيطان الإسرائيليّة، بالبقاء في الضفة الغربيّة، كما دعم بناء العديد من المستوطنات، واضِعًا بذلك أولى المعوّقات لما يُطلق عليه "حلّ الدولتين".

على مدى أعوام، أجرى بيريز عمليّات جسّ نبض دبلوماسيّة للقادة العرب، بداية من ملك الأردن، الملك حسين، الذي كان يُجري مُحادثات سريّة مع قادة إسرائيل على مدى عقود. في اتفاق فاشِل مع الملك، وافق بيريز في 1987 على إنهاء احتلال الضفة الغربيّة، ووضعها تحت الحُكم الأردني، فيما خلصت الدولتان لاحقًا إلى اتفاق سلام رسمي بينما كان بيريز وزيرًا للخارجيّة، وظلّت القضيّة الفلسطينيّة على حالها دون حل.

في 1993، وقّع بيريز في اتفاقية أوسلو التي قامت بتأهيله للحصول على جائزة نوبل للسلام، وأشاد العالم كلّه بتلك الاتفاقيّة باعتبارها دليلًا على إمكانيّة حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، فيما وصف اليمين بيريز على توقيعه تلك الاتفاقيّة بـ "الانهزامي"؛ لتنازله عن بعض السيطرة على الضفة الغربيّة، أما اليسار فوصفوه بانه "توسّعي"؛ لأن الاتفاقيّة لم تقُم بإنهاء الاحتلال. لم يكن أحد من الجانبين على خطأ، ولكن في الحقيقة كان بيرزي يحاول إرضاء كافة الأطراف- نُشطاء السلام والمستوطنين على السواء- وهو ما جرى عليه النهج العام لحياته السياسيّة.

كرئيسًا للبلاد، ارتبطت الصورة الذهنية لـ بيريز بأنه "رجل الدولة المُخضرم الذي يُمثّل دولة تُكرّس جهودها في خدمة السلام وتحقيق العدالة"، الأمر الذي ساعد- بالطبع- في إعطاء انطباع بأن رئاسته منصب شرفي وأنه لم يعُد يُمثّل تهديدًا لأحد، ولأنه كان يُنظر إليه باعتباره "بطل السلام"، فقد شعر بعض الإسرائيليين بالاستياء من مُعارضته لمُقترحات قصف المُنشآت النووية الإيرانيّة، واختياره السير على درب المُفاوضات.

الطريف في الأمر- على حدّ قول المؤرّخ الإسرائيلي- أن بيريز اكتسب شعبيّته في الوقت الذي كانت إسرائيل تفقد العديد من أصدقائها في العالم، ولا يزال يُعد بمثابة "آخر رجل إسرائيلي" ينظر إليه كثيرون في مختلف دول العالم نظرة إعجاب.

اختتم سيجيف مقاله قائلَا: "خلال فترة ليست ببعيدة من الآن، يُمكن لإسرائيل أن تُصبح في موضِع يُحتّم عليها مواجهة قرارات حاسِمة ومؤلِمة، واضِعة في الاعتبار مُستقبلها كدولة يهوديّة وديمقراطيّة. ستحتاج تلك القرارات قائدًا عظيمًا حقًا، شخصًا - ليس كما السيّد بيريز- يطلب امتثال شعبه وليس حبّهم."

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق