إمبراطورية القوات المسلحة (2)

البديل 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

 

بدأت في مقالي السابق “إمبراطورية القوات المسلحة 1″، البحث عن إجابة للسؤال الذي يشغلنا جميعًا، ما الذي يحدث في مصر؟ ولماذا تتوسع القوات المسلحة اقتصاديا بهذا الشكل؟ وحاولت من خلال المعلومات المتاحة، عرض الاستراتيجية التي تعمل من خلالها القوات المسلحة، وترتكز على 4 محاور: سياسي واقتصادي واجتماعي وإعلامي، وقلت إنني سأتحدث عن المخاطر والأخطاء في المقال المقبل، لكن الرئيس عبد الفتاح السيسي سبقني بخطاب “غيط العنب”، ولوح بالمخاطر.
تضاربت التحليلات والتفسيرات حول جملة السيسي: “الخطة إن الجيش يفرد في البلد كلها في 6 ساعات”، دون أن ينتبه كثيرون ممن فسروا هذه العبارة لأخرى سابقة عليها، مع بداية حديثه عن حملة الهجوم على الجيش، إذ قال نصًّا: “أنا بقول لكل من يتحدث بكده، سواء عارف بيعمل إيه أو مش عارف، لو حصل الموقف اللى حصل في دول أخرى، إذا حصل في مصر لا هتنفع لا لينا ولا لحد تاني.. بقول لكم تاني يا مصريين ومش بخوّف حد، لا هتنفع لا لينا.. لينا مين؟ لينا كلنا، ولا لحد تاني، إنت بتتكلم في 90 مليون إنسان، أو 91 مليون، لو حالة الدولة اتهزت بشكل يبقي فيه خطر على الـ 91 مليون، خلاص مش هيبقي فيه، مش هيبقي فيه، وهو بس مطلوب إن الخيط ده يبدأ، وبعد كده الموضوع ده مش هيتم السيطرة عليه”.
المسألة هنا واضحة، هو يخيرنا بين استمرار حكم المؤسسة وتغلغلها في كل مناحي الحياة المصرية، وبين وضع سوريا أو ليبيا، حتى عندما تدارك نفسه وقال “لينا مين؟.. لينا كلنا الـ91 مليون إنسان”، كان يغالط نفسه، فمن قال إن الشعب كله معه؟ إذا كان هو قد اعترف أن بعض المصريين يهاجمون السلطة والجيش، فكيف يعتبر أن الـ91 مليون مصرى معه؟!
الخطر الحقيقي في سياسة التوسع التي تتبعها المؤسسة العسكرية، أنها بذلك تضع نفسها في مواجهة واضحة مع جيل الشباب، الذي يبلغ نحو 60 بالمائة من تعداد المجتمع، وأغلبه شارك في الثورة، أو تفتحت عيناه عليها، ويرفض أن تصبح المؤسسة رقمًا في معادلة الحكم، وليس فقط الرقم الأصعب وربما الوحيد، كما يريد من يديرون المشهد الآن.
سيظل الجيش المصري في مكانة مهمة لدى هذا الشعب مهما حدث، لكن أن يقامر قادته بشعبيته عبر الدخول في مواجهة مع من يرفضون حكمه، وهم كُثُر، فهذا خطر، وعلى كل من يحب البلد، و الجيش أن يتصدى له. حتمًا ستنتج سياسة التوسع هذه أوضاعًا متداخلة ومضطربة، وليس سيطرة واستقرارًا كما يظن من أعدّها وينفذها.
قلت في المقال السابق، إن “المسألة تتخطى شخص السيسي، فالمؤسسة لا تريد العودة إلى حدود ما قبل 25 يناير، حيث التهميش، ولا حدود ما قبل 30 يونيو، حيث التجرّؤ والتطاول عليها، وهذا ما أدركه الخارج وبدأ يتعامل معه”، لذلك لجأت إلى السعي لخلق نظام موازٍ لمؤسسات الدولة الفاشلة، وسيطرة المال الخاص، لكنها تفعل ذلك دون إدراك للحقائق التي غيّرت من طبيعة المعادلة.
وعندما ناقشت المسؤول السيادي في هذه الاستراتيجية، قلت له إنني أشعر أن هذه الاستراتيجية وُضِعت في 2010، أو أن واضعها نام طوال السنوات الستة الماضية، فلم يدرك أن كثيرًا من حقائق المعادلة تغيّرت على الأرض، ومن هنا تأتي الأخطاء التي ستفضى إلى مخاطر عدة، استشعرتها السلطة، ولوح السيسي بالتصدي لها في خطاب “غيط العنب”.
وفقا لاستراتيجة القوات المسلحة، فالدولة بدأت في بناء تنظيمها السياسي، عبر البرنامج الذي تتبنّاه حاليًا وزارة الشباب والرياضة لتدريب الشباب على العمل السياسي وتجهيزهم لخوض انتخابات المحليات، الفكرة ليست سيئة، لكنها تُغفل حقائق مهمة، أولاً أن الفاعلين الحقيقيين على الأرض يرفضون الانضمام لهذا التنظيم، لأنهم يعارضون النظام ويرفضون توسّع المؤسسة العسكرية، لا أريد أن أشكك في فاعلية المنضمين إليها، لكن حتمًا أغلبهم لهم مصالح خاصة، كمن كانوا يستخرجون كارنيهات عضوية الحزب الوطني أيام حسني مبارك، ليبرزوها أمام لجان المرور أو في أقسام الشرطة، وثانيا، عملية بناء التنظيم ترتكن إلى قاعدة من معنا يعمل ومن ضدنا فهو عدو لا يستحق حتى الذهاب إلى لجان التصويت الانتخابية، وهذا أبسط الحقوق السياسية.
هذه القاعدة لا تنكر فقط التغيرات التي حدثت بعد الثورة، لكنها تغفل أيضًا أن أي نظام يحتاج إلى دعم المعارضة بصورة أو أخرى، مثلما فعل مبارك مع الإخوان، ووفقا لاستراتيجية القوات المسلحة فإن التغلغل الاقتصادي الأهم سيكون عبر الدخول في شراكة مع أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بتوفير المنشآت التي سيعملون من خلالها بمرافقها وتراخيصها، وهو ما تحدثت عنه في مقالي السابق، وذكره السيسي في خطاب “غيط العنب”.
هذا المحور يمثل أكثر محاور الاستراتيجية خطورة، لأنه يحول المؤسسة إلى متحكِّم مباشر في أرزاق الملايين، ومن ثمَّ فأي تحرك سياسي ضد هذا التغلغل سيصطدم بمصلحة هؤلاء في الحفاظ على أرزاقهم، وهذا لا يمكن أن يبني دولة حقيقية في القرن الحادى والعشرين، فضلا عن أنه يركز الجزء الأكبر من قطاع التصنيع في يد مؤسسة واحدة، بما يضر السوق ويؤثر سلبًا على الاستثمار.
أما فيما يخص المحور الإعلامي في الاستراتيجية، فتجربة نحو ثلاثة أعوام لنافذة “مبتدا” وأخواتها أثبتت فشلها، مع تنافس إعلامي شرس، وحالة وعي ومكاشفة كبيرة تلعبها وسائل التواصل الاجتماعي، لن تستطيع الدولة السيطرة عليها حتى بعد إصدار قانون “الجرائم الإلكترونية”.
كل ذلك يؤدي حتمًا إلى أوضاع اجتماعية مضطربة، ما يعني فشل المحور الرابع في الاستراتيجية، وهو إعادة بناء وصياغة ملامح الطبقة الوسطى، التي ظلت طوال العقود الماضية حامية لهيبة الجيش، وتدعم حفاظه على مكتسباته.
ما زال في الوقت بقية لأن تعيد المؤسسة العسكرية حساباتها، وترجع خطوة للوراء، مقابل دعم المجتمع المدني، إن كان هناك في السلطة من يريدون تجنيب البلد مخاطر كبرى.

الرابط الدائم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق