دور القاضى الإدارى فى تجديد الخطاب الدينى

الوطن 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يؤكد البعض -بحق- أن تجديد الخطاب الدينى مشروع لا وجود له إلا فى وسائل الإعلام، فليس ثمة ما يشير إلى أن علماء لهم ثقل، أو فعاليات أو منظمات أو مؤسسات دينية لها تأثير، يعكفون على تجديد الخطاب الدينى، بل على العكس غالباً ما يعلنون حالة الاستنفار ضد كل من يحاول قول شىء مختلف عما وجدوا عليه أسلافهم من رجال الدين.

وإذا كان هذا هو حال المؤسسات الدينية، فإن مؤسسة القضاء يمكن أن تلعب دوراً هاماً فى تجديد الخطاب الدينى. وفيما يتعلق بالقاضى الإدارى، على وجه الخصوص، نرى من الملائم أن نشير إلى بعض الأحكام التى تشكل علامات بارزة فى مشروع تجديد الخطاب الدينى. ففى 27 أبريل 2015م، أصدرت محكمة القضاء الإدارى برئاسة المستشار الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجى حكمها فى الدعوى رقم 4019 لسنة 15 ق، والمتعلقة بطلب وقف تنفيذ وإلغاء القرار الصادر من وزير الأوقاف بإلغاء تصريح الخطابة الممنوح للمدعى. وفى هذا الحكم، تقول المحكمة إن تجديد الخطاب الدينى ليس تجديداً للدين، وإنما التجديد فى الفكر ذاته، لأن الفكر يرتبط بمستجدات الحياة، والحياة بطبيعتها تتطور بتطور الأزمنة والأمكنة، فكان طبيعياً أن يتطور الفكر حتى يتلاءم مع الحياة، فضلاً عن أن التجديد يكون قاصراً على الفروع فقط دون ثوابت الشرع الإسلامى المقررة بأدلة قطعية والتى تشمل الأصول والمبادئ أو الاعتقاد.

ومنظوراً إلى تجديد الخطاب الدينى على هذا النحو، ترى المحكمة أن آلية هذا التجديد تتمثل فى إعادة فهم النصوص على ضوء واقع الحياة وما تستحدثه البيئة المعاصرة، بحيث تتناسب مع روح التطور وهى سنة الحياة، فلا تظل قابعة فى البيئة التى صدرت بها منذ 1436 عاماً، مع عدم المساس بثوابت الدين نفسه من نصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، فيجب أن يكون أسلوب التجديد فى الفروع فحسب ليكون مواكباً للأحداث الجارية ومتأثراً بها، محدداً ما هو حق منها.

وفيما يتعلق بنطاق هذا التجديد ومشتملاته، ترى المحكمة أن تجديد الفكر الدينى يجب أن يتناول كافة مظاهر الحياة، فى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية والحضارية، وهذا هو الفهم الصائب المتصل بطبيعة الدين الإسلامى وقدرته الروحية العجيبة على الخلود والخلق والإبداع والابتكار والتعايش. فتجديد الفكر الدينى يجب أن يعتمد على أن الدين ليس للعبادة فحسب، وإنما الدين يرتبط بالمعاملة ويتصل بالحياة الدنيا كارتباطه بالآخرة. ويجب أن يكون على القمة فى عناصر تجديد الفكر الدينى كذلك معالجة مفهوم «الوطن» فى ضوء تحديد حقيقة مفهوم «الفكر السياسى الإسلامى».

وانطلاقاً مما سبق، تضع المحكمة بعض محددات تجديد الفكر الدينى، مؤكدة أن هذا التجديد يجب أن يعتمد على الاعتدال ووسطية المنهج دون إفراط أو تفريط، كما يجب أن يكون موافقاً للقلوب وللعقول حتى إذا تلقته تلقفته بالارتياح والقبول، وأن يتسم بالتنوع لكافة فئات المجتمع فلا يقتصر على فئة دون أخرى، وأن يكون رائده التيسير على العباد لا التعسير عليهم، بحيث يميل إلى الإبداع والخلق الجديد للمستجدات، وأن يبتعد عن الركود والجمود، كما يجب أن يتسم بروح التسامح التى يشعها الإسلام والتى تقتضى الاحترام والإجلال والتحاور مع أصحاب الأديان السماوية.

وأخيراً، لن يتسنى لتجديد الفكر الدينى أن يحقق أهدافه إلا إذا اقترن بتجديد الخطاب. فالدعوة إلى الله تكون بمواجهة الفكر بالفكر، بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس باستخدام العنف، مع ضرورة الاعتناء بمفاهيم جديدة لتجريم العدوان على النفس البشرية. فالإسلام لا يعرف ما يسمى الفريضة الغائبة فى تكفير المسلم وقتل البشر، وينبغى أن يعتمد أسلوب التجديد على فكرتَى الترغيب والترهيب وفكرة القصاص أساس كل عدل، كما يجب أن يشتمل خطاب التجديد ما يدعو إلى الوحدة وليس إلى التفرق، فالسلام حق لجميع البشرية، أياً كانت دياناتهم، فالإسلام يدعو إلى السلام الذى يؤخذ ضمن أطر العدل والمساواة والحرية لجميع المنتمين للأديان السماوية، وليس للمسلمين فحسب. والإسلام دين خير وسلام، وليس دين عنف أو عدوان.

وللحديث بقية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق