رف السينما - (أشياء أغرب) .. هل يعود كل نجاحه لـ (كينج) و(سبيلبيرج)؟

مصراوى 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بقلم - ممدوح صلاح:

مسلسل (أشياء أغرب) (Stranger things) المعروض على خدمة (نيتفلكس) في منتصف يوليو الماضي، ماكنش متوقع ليه النجاح الساحق اللى حصل فجأة! صانعيه مش معروفين، (نيتفلكس) لم تقدم له دعاية استثنائية، مافيهوش أبطال بأسماء كبيرة غير (وينونا رايدر) اللى بحسب المقاييس التقليدية انتهت أيام جذبها للجمهور .. ومع ذلك تحول المسلسل القصير لظاهرة على الإنترنت. والكل بدأ يتكلم عنه بعد أيام من عرضه بسرعة خلت الشركة تمنح الضوء الأخضر لجزء تانى فورًا.

من البداية هيفاجئك المسلسل بتتراته، بالموسيقى والجرافيك المنتمين كلياً لعالم الثمانينات السينمائي الحافل بأفلام الخيال العلمي والرعب.. وكل حاجة بعد كده هي تأكيد واضح على نوستالجيا الثمانينات وعالمها الغني المألوف للجمهور.

المسلسل في حلقاته الثمانية حافل بالإحالات لمصادر إلهامه المتعددة، روايات (ستيفن كينج) وأفلام (سبيلبيرج) على وجه الخصوص، وأفلام زي (Stand by me) لـ (روب راينر)، و (A nightmare on elm street) و(Alien)، و قصص (إكس مِن) المصورة.. حتى الديكور بيحتوى على بوسترات أفلام زي (The Thing) و(Evil Dead) .. و من بين الأعمال الأحدث بيتأثر المسلسل بعمل تليفزيوني آخر هو البريطاني (Utopia)، والأسلوب البصري لفيلم (Under the skin) و فيلم (Super 8) لـ (ج. ج. إبرامز) (وهو تلميذ آخر لمدرسة (سبيلبيرج)) .. حتى الكائن الغريب الموجود في المسلسل بيشير الأبطال ليه بإسم (ديماجورجون)، وهو أحد شخصيات لعبة (Dungeons & Dragons) المنتشرة من نهاية السبعينات بين الأطفال من محبي العوالم الخيالية ... وباستمرارنا في رصد الإحالات الموجودة بداخل الحلقات قد ينتهي المقال بعد عدة صفحات!

المسلسل لا يخجل من إظهار مدى تأثره وإعجابه بكل ما سبق، وبيغازل الإعجاب المشترك ده عند الجمهور باستمرار في ظاهرة فريدة من الاستمتاع الصريح بتكرار الماضي .. و بيعتمد بالكامل على الدلالات الموحدة بينه وبين جمهوره، وإن جاز تسمية هذه الشفرة الدلالية باللغة السينمائية، فهي لغة تتكون من مفردات معروفة ومألوفة، وكل اللى بيعمله هو إيجاد ترتيب مختلف لقطع الشطرنج على اللوحة.

لكن هل يعتبر ده (حلب) للنوستالجيا – بالتعبير الدارج – وإعادة تدوير لما سبق وتم ابتكاره وبناؤه؟ هل الموضوع كله حيلة جديدة في عالم الإنترنت المحتفى بشدة بالنوع ده من المواد؟ وهل إختفت أصالة العمل الفني نفسه جوه كمية المرجعيات المكثفة؟

الموضوع – في تقديري – مش بالبساطة دي .. وهو إن سمح التشبيه أقرب لمغني شاب بيقدم أغاني تشبه فترة التسعينات الثرية في ذاكرة من عايشها من هذا الجيل. هي قطعاً مش نفس الأغاني، وليها كلمات وألحان وتوزيعات جديدة ومختلفة، لكنها مألوفة بشكل مدهش! .. وبوجه عام، فالسينما بتعتمد طول الوقت على المرجعية المشتركة بين الجمهور والصناع. لما بنفهم كلنا إن المشهد المصور بالأبيض والأسود في وسط الفيلم الملون هو على الأرجح فلاش باك تتذكر فيه أحد الشخصيات الماضي .. فهي ليست قاعدة أو قانون، إنما مرجعية مشتركة بناها الجمهور – والصناع كذلك – من أفلام شاهدوها سابقاً، ومن حقيقة أن الأفلام في الماضي كانت تصور بالأبيض والأسود قبل ظهور الأفلام الملونة.

لكن من غير المعتاد أن تجتمع كل تلك القواعد والإحالات المسبقة في مكان واحد، وبهذا التعمد والاحتفاء، وأن تتضافر كلها لتشعرنا أن المعروض أمامنا مألوفاً وقريباً لهذه الدرجة. وهذا التجمع يبدو مع التدقيق محفزاً للفكر، فالتحية الموجهة للنوع ده من الأفلام والأدب بتمتد من الأسلوب البصري لطريقة السرد ونوعية الحدوتة وشكل الشخصيات ومدى قربها من المتفرج في مقابل الشخصيات الأحدث البعيدة عن المشاهد نسبياً في أفلام الأكشن في التسعينات مثلاً، أو المنفصلة كلياً وشديدة البعد في أفلام الـ (سوبر هيروز ) المعاصرة .. هل يجوز تشبيه المسلسل ده بأفلام النوار الحديثة التي تستمد شكلها وأسلوبها من أفلام الأربعينات ولكن من العبث حصر نجاحها في حنين المشاهد لفترة الأربعينات؟ .. هل جاء الوقت لتدشين نوع سينمائي فرعي جديد له خصائص ومسمى منفرد أفضل من (أفلام الخيال العلمي في الثمانينات)؟!

الطريق للإجابة على سؤال زي ده بيبدأ بسؤال تاني وهو: ماذا عن من لم يعاصر تلك الفترة أو يشاهد أفلامها؟ أو شاهدها ولم يهتم بها؟ .. إذا جئنا بشخص ما من مواليد التسعينات لم يرَ أي فيلم يسبق فترة الألفينات وجعلناه يشاهد المسلسل، هل يستمتع؟.

إذا كان ده هو لب الموضوع فعلاً، فالإجابة ممكن جداً تكون بـ (نعم) .. والسبب أن الحدوتة اللى هي قلب الدراما التليفزيونية بتشتغل على المستويات البشرية العادية، وبتقدم تجربة سهل التعاطف معاها والإعجاب بيها.

المسلسل بيستعرض ثلاث قصص متشابكة داخل مدينة أمريكية صغيرة بيفجرها الاختفاء المفاجئ لصبي ورحلة أصدقاؤه في البحث عنه .. الأطفال هم أبطال الأساسيين، بيحركهم الخيال والشغف والصداقة القوية التي تجمعهم، وبمصادقتهم لطفلة أخرى يفترض أنها تتمتع بقدرات عقلية فريدة بتبدأ تبان تفاصيل القصة الأولى.. القصة الثانية هي قصة أم الولد المكلومة، وبحثها المحموم عن إبنها اللى بيقودها للضابط المحلي للمدينة اللى ماتت بنته من زمن، وبيخليهم هما الإتنين على استعداد لعمل كل شيء ممكن لإنقاذ الطفل من مصير مشابه .. والقصة الثالثة هي قصة مراهقة بتعجب بشاب غريب الأطوار والإتنين بيتحسسوا طريقهم لإثبات الذات، ونيل قبول الطرف الآخر، وتكوين شخصيتهم وأفكارهم عن الصح والغلط والشجاعة والتهور وكل شيء، وبتديهم القصة الدليل الوحيد على وجود الخطر الميتافيزيقي وبنشوف إزاي ممكن يتعاملوا مع الدليل ده في أول مسئولية حقيقية ملقاه على عاتقهم.. والرحلة في القصص الثلاث هي رحلة البطل المستضعف محدود الإمكانيات في مواجهة أخطار أقوى منه كمؤامرة من الحكومة المتسترة على تجارب علمية غير مشروعة، أو كائن مخيف قادم من عالم آخر، أو حتى نظرة المجتمع ليك ومدى قبولهم لأفعالك وما تراه أنت الأصح.

من يمكنه أن يقاوم الإعجاب بهذا؟! .. أي شخص حتى لو لم يكن من معجبي أفلام ومسلسلات الخيال العلمي، صعب ينكر وجود شخصيات واضحة يمكن التعاطف معها، ولا إن القصة بيتم سردها ببلاغة أدبية وبصرية، وبأداء متميز بداية من (وينونا رايدر) وحتى الطفلة التي تدور حولها معظم الأحداث.. ومن الممكن القول أيضاً إن المسلسل قد ينال إعجاب غير المهتمين بالمسلسلات عموماً، بسبب قصر زمن عرضه والحكاية المحدودة اللى بتنتهي بنهاية المسلسل وكأنه فيلم طويل.

وعلى عكس كثيرين، أعتقد إن الجزء الثاني من المسلسل هيكون قصة جديدة منفصلة وليس استكمال لنفس الحدوتة.. صحيح إن النهاية بتفتح الباب لوجود امتداد للقصة، لكن في نفس الوقت طبيعة الشخصيات (أطفال/ أم/ شرطي في مدينة صغيرة) لا تسمح باستكمال رحلة أكبر في نفس العالم وإلا يخاطر المسلسل بأن يفقد واقعيته وقربه من المشاهد بسهولة.. وإن كانت هناك أجزاء مواربة في النهاية فهو تشابه آخر مع أفلام الرعب والخيال العلمي في الثمانينات التي كانت عادة ما تنتهى بالتلميح لوجود بقية خفية للقصة.

وفي النهاية بالرغم من تعددية المراجع الأدبية والبصرية في الفيلم حتى تكاد تشعر إنه يفقد هويته بداخلها. إلا أنه في الحقيقة قدم عدداً من التتابعات والمشاهد الأيقونية من النوع المميز لتلك الفئة .. كتصميم العالم المعكوس أو مشاهد الأم وهي تخاطب إبنها من خلال الإضاءات الصغيرة الموزعة في المنزل .. وهي مشاهد مصممة ومنفذة بخصوصية ستجعلها تبقى ذهن المحبين ، وتنوع الأفكار والمشاهد سيجعل المسلسل مادة خصبة للبحث عن المعاني الخفية أو الـ (Easter eggs) وهو ما يعتبر النوع الجديد من تفاعل الجمهور مع العمل في عصر الإنترنت .. بل لن نكون مبالغين إن قلنا أن هذا المسلسل سيصمد طويلاً وربما يلهم أعمالاً جديدة فيما بعد تستمد مرجعياتها وأفكارها البصرية منه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق