مصراوي داخل منزل "أنور علي".. صانع أشهر "أفيشات" السينما المصرية (1)

مصراوى 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتبت - علياء رفعت:

يولد المبدع وهو لا يملك من الدنيا سلاحًا إلا موهبة يكتشفها بمرور الوقت، قليلون فقط من يحظون بها، فيسعون خلف شغفهم، ويستغلون ما حباهم به الله لتحويل ذلك الشغف إلى قطعة من الفن الخالص، كُلٌ بأداته؛ الكاتب بقلمه، الموسيقي بآلاته، والرسام بريشته. يصنع هؤلاء التاريخ بإنجازاتهم، ورغم ذلك يطوى النسيان صفحات بعضهم، فيما تبقى أعمالهم خالدة، محفورة بالعقل والوجدان لتُذكِرنا دائمًا بسيرهم العَطِرة التى لن تُنسى طالما كان هُناك من يرويها ويُوّرِثها ليتناقلها الجميع مُستشهدين "من هُنا مَرّ فلان، وها هو أثره خالدًا لا يُمحى".

أنور علي؛ رسام الأفيشات المصري، "صنايعي" من الطراز الأول، سحره الفن فلَازم ريشته مُنذ الصِبا وحتى آخر أيامه، أبدع الكثير من أفيشات الأعمال السينمائية الشهيرة التي لا تزال عالقة بذاكرتنا مثل: "الناصر صلاح الدين، حسن ونعيمة، باب الحديد، الهروب، العار، الهلفوت، إعدام ميت، الراقصة والسياسي، ليلة القبض على فاطمة، قلب الليل، الحرافيش، الشيطانة التى أحبتني، الأشقياء، البيضة والحجر، غرام الأفاعي، بطل من ورق، العميل رقم 13، حارة برجوان، يا عزيزي كلنا لصوص، دقة زار، وجزيرة الشيطان"، ورغم أنه عمل طوال حياته على إبراز النجوم و"تلميعهم" على الأفيش، إلا أن نجمه الساطع فى عالم السينما خفت بعد وفاته، ولم يروِ قصته أحد.
(1)

"مصراوي" التقى أسرة الفنان الراحل بمنزله، حيث دفئ العائلة، مَرسمه الخاص، أوراقه ورسوماته التى لا زال المكان يعج بها. حكايات مُغلفة بالحب تارة وبتقدير الفن تارةً أخرى التقطتها مسامعنا من زوجته، ابنته، وحفيده الذى كرس جزءًا كبيرًا من وقته لتصوير كل النسخ الورقية، والرسومات المبدئية للأفيشات من أجل الاحتفاظ بها على هيئة نسخ رقيمة لا تبلى بمرور الزمن، ذلك إلى جانب الاحتفاظ بكل النُسخ الورقية مُغلفة لصيانتها، فالحفيد الذي لم يُعايش جده سوى في سنوات عُمره الأولى يعلم جيدًا أنه يمتلك ثروة عظيمة وينتظر الفرصة لإقامة معرض كبير يحتوى على كُل ما انتجه "الفنان" - الصفة التى يُفضل أن يذكره بها- لكى يُخلد ذِكراه ويُكرّم فنه الذى أضاء عالم الإعلانات والسينما جمبًا إلى جمب.

في رحلة شيّقة مليئة بالفن، وبخطوطٍ نمقتها ريشته نخترق دنيا "الأفيش" بنفحاتٍ من سيرة صاحبه وأشهر صانعيه، رائد الأجيال المتلاحقة من الخمسينات وحتى التسعينات؛ الفنان "أنور على".

(2) زوجته وابنته

ولد الفنان أنور على بالقاهرة عام 1928، ظهرت موهبته مُبكرًا فكانت أدوات الرسم هى خير رفيق يقضي بصحبته وقت فراغه حتى أنهى دراسته الثانوية ليلتحق بعدها بمعهد "ليوناردو دافنشي" والذى كان بمثابة كلية الفنون الجميلة آنذاك. فى سنوات المعهد استطاع أن يُظهر تفوقًا، التزامًا ونبوغًا عرفه به كل أساتذته، فموهبته التي أثقلتها الدراسة فرضت نفسها على الجميع وقتها رغم صِغر سِنه حتى أنه بعد تخرجه عام 1953 عرضت عليه إدارة المعهد السفر لإيطاليا لكي يستكمل دراسته العُليا هُناك، ويبدأ عمله فى بلد الفن والحضارة.

وقتها أبدت زوجته موافقتها على فكرة السفر، فالمستقبل هُناك يناديه ويعده بكل ما قد يعجز عن تحقيقه هُنا "قولتله دى فرصه كويسة، مكنتش أقدر أمنعه، بس هو رفض، قالي مقدرش أسيب أهلي وناسي وأسافر بلد أحس إنى غريب فيها، أنا هبدأ حياتي هنا".

(3)

قَدم حُبه للونس، صُحبة الأهل والأصدقاء على سفره، وأصر على أن يسلُك الطريق من أوله رغم الصِعاب وسط أهله وناسه. بعزيمة، إصرار، وموهبة فتحت له الأبواب المغلقة استطاع أن يحصل على عملٍ بشركة الإعلانات المصرية التابعة لدار التحرير للطباعة والنشر، ليصبح بعدها وبمرور الوقت مدير القسم الفني لذات الشركة، ويشغل مناصب مرموقة في مختلف الصحف المصرية؛ حيث تولى إدارة المكتب الفني الخاص بجريدة الجمهورية، النداء، والمساء.

"يوم ما اترقى رجع من الشغل متضايق جدًا، ولما سألته مالك، قال عاوزين ينقلوا مكتبى من جمب زُملاتى عشان بقيت رئيسهم بس أنا رفضت، لو حسوا إن فى فرق بينا بعد ما كنا واحد عمرهم ما هينتجوا زى الأول" تتذكر الزوجة كلماته بوضوح، فبرغم هدوءه المعتاد كانت هذه واحدة من المرات التي استشاط فيها غضبًا، بدى عليه الضيق الشديد مما دفعها للسؤال عن السبب. تسكت هنيهة ربما لتستعيد كل المواقف التى مرت بها مع رفيق العُمر، ثم تُضيف وهى تبتسم "كان متواضع أوى الله يرحمه".

كان عمله بشركة الإعلانات المصرية يقضي بتصميم الإعلانات التى لم يتخلى عن رسمها حتى بعدما شغل رئاسة القسم، لم يكن يتعامل مع الإعلان على إنه منتج ترويجى يهدف لإيجاد الحاجة لدى الجمهور حتى يقوم بشراء السلعة، ولكنه كان حريصًا على أن يحوى الإعلان على قيمة فنية حقيقة ليعلق بالذاكرة، ولهذا حاول الابتكار قدر الإمكان أثناء رسم الشخصيات فى الإعلانات المطبوعة. وعلى قدر اجتهاده كان يلجأ لحِيّل بسيطة من شأنها جذب الانتباه.

(4)

يتباهى الحفيد "رامى" بإحدى هذه الحِيّل وهو يعرض علينا نموذجًا من الإعلانات المطبوعة التى صممها الفنان أنور على قائلاً "المفروض إن ده إعلان للصابون، مش بس صورة البنت اللي فى الإعلان مرسومة بمنتهى الإتقان، لكن جدو الله يرحمه فكر بذكاء إنه يحط طبقة من ورق السلوفان اللامع على وشها، عشان يدى إيحاء بالنضارة والجمال بعد استخدام المنتج، وده كان شيء جديد جدًا على أصحاب الصناعة ومُبهر بالنسبة للجمهور".

(5)

إلى جانب عمله كمصمم للإعلانات كان الفنان أنور على يتخذ من الرسم هواية لا يكف عن ممارستها فهى مُتنفسه الوحيد بعيدًا عن ضغوط العمل قبل احترافه لرسم الأفيشات، اشتهر برسم البورتريهات، ليصبح فيما بعد واحدًا من أبرز الرسامين اللذين قاموا برسم الملوك ورؤساء الجمهورية. وكان من أشهر الرؤساء والملوك اللذين قام برسمهم الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر"، الرئيس "أنور السادات"، والملك "سعود بن عبد العزيز" .

مُمسكة بتلابيب الذكريات، تقول ابنته "البورتريهات كانت من أحب الأعمال لقلبه، كان يستمتع بالنحت بريشته تقاسيم وشوش البشر وكأنه بيحفر الملامح على الورق مش بيرسم، بابا رسملنا بورتريهات أحلى من كل الصور اللي اتصورناها في عمرنا كله".

(6)

(7)

الأفيش هو كلمة فرنسية الأصل، تُقابلها فى الإنجليزية "بوستر" وتعنى المُلصق الذى يتم تعليقه على دور السينما، بالشوارع، وأعلى الكبارى للإعلان عن فيلمِ صدر أو سيتم صدوره قريبًا بدور العرض. للأفيش بريق وسحر خاص حيث يثير فى الجمهور رغبة وشوقًا لمعرفة أحداث الفيلم الذى يُعلن عنه، ويُخَلِف حالة من الإبهار البصري لمُحبى الفن والسينما على حد السواء. رُبما كان ذلك هو السبب الرئيسي الذى دفع أنورعلى فى منتصف الخمسينات لاحتراف فن صناعة الأفيش، "بابا من كُتر حُبه فى السينما، كان بيعلق أفيشات الأفلام فى الشوارع بنفسه" تقولها ابنته بزهوّ شارحةً كيف خطا والدها أولى خطواته فى دنيا الأفيش، لتستكمل حديثها "شوية بشوية الناس في مجال السينما عرفوه لحد ما عمل أول أفيش فى حياته، أفيش فيلم "الناصر صلاح الدين، ودي كانت انطلاقته".

كان أفيش فيلم "الناصر صلاح الدين" بمثابة أول قطرة في غيث استمر على مدار السنين وحتى وفاة الفنان الراحل، فبعد تصميمه لأفيش فيلمه الأول تهافت عليه العديد من المخرجين مُطالبينه برسم أفيشات الأفلام الخاصة بهم، فقرر وقتها أن يقوم بتحويل حُجرة واسعة في منزله إلى "مَرسم" لتكون بدورها مصنعًا لصناعة الأفيشات ورسمها، ومنذ ذلك الوقت أصبح منزله يعج بالكثير من الممثلين وكبار المخرجين حسبما تذكر زوجته "كان يجينا ممثلين كتير؛ فاتن حمامة، إسعاد يونس، سمير صبري. أنور اشتغل مع كل مخرجين السيما تقريبًا؛ على عبد الخالق، حسام الدين مصطفى، حسن الصيفى، عاطف الطيب وغيرهم كتير".
(8)

على عكس ما يُشاع عن الفنانين المعروفين بمزاجيتهم وعدم نظامهم، كان الفنان أنور على شديد النظام والدقة، فكل شيىء لديه محسوب بقدر، تجد أوراقه الخاصة فوق مكتبه مليئة بالمواعيد المُجدولة لمقابلات يجب أن تتم، مواعيد زيارة المطابع، توقيتاتٍ محددة للانتهاء مما يجب تسليمه، وضع الخطوط العريضة والأفكار لمشاريع أفيشات جديدة، إلى جانب تحديد الأعمال التي تم الانتهاء من بعض أجزائها أو منها كاملةً. فكان يُسيّر عمله وفق نظامٍ دقيق لا يُخِل به مهما حدث.

روتينه اليومي أيضًا كان يسير بنفس الدِقة فيمكنك أن تضبط ساعتك على مواعيده كما يقولون، الصباحات اليومية تبدء بفنجان القهوة المُعتاد ثم الذهاب لمقر عمله في شركة الإعلانات المصرية حتى الخامسة، بعدها يتوجه لمنزله حيث الغداء برفقة العائلة التي يجالسها لبعض الوقت مُطمئنًا على أحوال أفرادها، ومن ثم ينطلق لمرسمه فيقضى ما تبقى من يومه بصحبه ريشته. فبحسب زوجته "كان مُحب جدًا لعمله، وبيتفانى فيه".

(9)

انشغاله الدائم لم يكن بالأمر الذي يُضايق أسرته التي سعت لتوفير كل سُبل الراحة لتساعده على الإبداع، فالحياة في بيت فنان تختلف تمامًا عن الحياة في أي بيت آخر، ورغم ذلك تؤكد ابنته "العيلة كانت شيىء مُقدس بالنسبة لبابا أهميتها متقلش أبدًا عن أهمية شغله، كان بيفضى نفسه في أوقات كتيرعشان يعد معانا أو نخرج نغير جو ونزور قرايبنا".

أما عن علاقته الشخصية بأبنائه، تتوقف ابنته طويلًا لتذكر مواقف عديدة فاصلة في حياتها جمعتها بوالدها وهى تقول "الله يرحمه كان صديقي في المقام الأول قبل ما يكون أبويا، كان بيتكلم معانا بوّد، يقول احكيلي، وينصحني"، لتضيف بعدها وهى تبتسم "اتعلمت منه حاجات كتير، أهمهم إنى اسعى للجمال في كل حاجة في الحياة مهما كلفني ده وقت ومجهود".

(10)

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق