نساء المستحيل.. قاهرة السجن والسجان

أصوت مصرية 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

"بصوتى دوما أتمنى أن أسرد الحكاية، ليست حكاية بل هي حكايات.. مثقل أنت يا قلب بوجع الصدمة ومرارة الفجأة، أنا في سجن النساء"، هذه هي مقدمة أحد كتب نيرمين البحطيطي، المرأة الفولاذية.. سُجِنت احتياطيا بسبب تهمة ملفقة في قضية خلع، فاتخذت من محبسها شعلة نور تضيء لمن حولها الحياة داخل السجن.

وبعد الحكم ببراءتها استكمل النور طريقه بمبادرة "ابدأ" التي تطورت لمؤسسة أطلقت عليها "حياة" لتحسين الأوضاع في سجون مصر.

استطاعت بذكاء أنثى فولاذية، محو وصمة عار وصمها بها سجن احتياطي، وظلم سجان لا يفرق في تعامله بين ما هو بشري وما هو جماد، لتخرج من محبسها وتبدأ في ديسمبر 2012 في مشروع يهتم بإعادة تأهيل السجناء نفسيا وادماجهم داخل المجتمع.

استطاعت "قاهرة السجان"، وهو لقب أطلقه عليها من تعاملوا معها، الحصول على درجة الماجستير في التأهيل النفسي والدمج المجتمعي، كما صدر لها كتاب "مسجون احتياطي" على جزءين وحقق مبيعات عالية، سردت من خلاله عشرات القصص وما يحدث خلف الأسوار.

استطاعت نرمين مساعدة سجناء سابقين، وخاصة من النساء، أمضوا عقوباتهم فى سجون محافظات الشرقية والإسماعيلية وبورسعيد والقاهرة.

ثلاثمائة حالة استهدفها فريق مبادرة "ابدأ" لمدة عام لدمجهم مجتمعياً وإعادة تأهيلهم بعدما أمضوا عقوباتهم، بدلاً من تركهم فريسة لسلبيات نفسية واجتماعية تأكل من أجسادهم وسمعتهم قبل أرواحهم.

محنة أم منحة

قد ينكسر البعض في المحن لكن آخرين يحولون المحنة إلى منحة ربانية، تكون بسببها مصدر فخر لكل من حولك ومثالا يحتذى به، ولعل هذا ما قامت به نرمين بالفعل، فور خروجها من السجن.

تقول عن فترة السجن الاحتياطي "اعتبرت تلك الفترة من حياتي بعد متابعة عن قرب للنساء داخل السجون، فترة بحث ورصد لأهم مشاكلهن. كان تفكيري فى باقي النساء داخل السجون ممن لا يملكن إرادة ورغبة فى التغيير وقدرة على مقاومة المجتمع الواصم الذي سيواجهونه ومن هنا جاءت فكرة مبادرة إبدأ."

مبادرة "إبدأ"

بعد خروجها من الحبس الاحتياطي بدأت نرمين تبحث عن إطار مؤسسي لتنفيذ فكرتها. وتقول"قمت بتأسيس مبادرة إبدأ للعدالة المجتمعية فى يناير 2013، كمنظمه غير هادفة للربح لإعادة تدريب وتأهيل المفرج عنهم، والتي تحولت لاحقا إلي مؤسسة أهليه مشهرة تحت رقم 3312 لسنة 2013 باسم مؤسسة (حياة للتنمية والدمج المجتمعي)، تحت شعار ابدأ حياتك."

وتستهدف المبادرة "النساء المفرج عنهن (السوابق الأولى) ونسبة 25 % من الرجال غير القادرين على العمل والمعاقين والمسجلين خطر على غير صحيح القانون ودمجهم بصورة إيجابية." وتقدم المبادرة التأهيل النفسي والقانوني والتوعية وإقامة مشروع صغير لهم وصولا إلى اعادة بناء حياتهم واكسابهم الثقة في المجتمع، وأيضا إزالة الوصمة المجتمعية التي تحيط بهم مع توعية المجتمع بأهمية الدمج لهم لمنع العودة للجريمة وتقليل نسبتها وإتاحة فرص الحياة الثانية للجميع."

كيفية التأهيل

وتقول نرمين إن أهمية منظومة "حياة" تنشأ من الخلل الواضح في منظومة التضامن الاجتماعي والرعاية اللاحقة بوزارة الداخلية فجميعها تعطي نصائح وتحاول إقناع أصحاب العمل بتشغيل السجين السابق وتعطيه مبالغ مالية بسيطة لا تعينه على الحياة.

وتشمل عملية تأهيل المفرج عنهم إجراء دراسة للحالة اجتماعياً وعمل زيارة ميدانية، وجلسات علاج فردي وعلاج أسري جماعي، وأثناء ذلك يتم اعادة استخراج كافة الأوراق القانونية والهويات الخاصة بالسجين -مسبقاً، وانهاء أي قضايا أو غرامات أو متعلقات أخرى. وينتقل بعدها إلى وحدة  التشغيل والتدريب والمشروعات الصغيرة، حيث يتم إصدار تقرير عن حالته النفسيه والاجتماعية ومدى نجاحة فى برنامج "ابدأ" المتعدد المحاور لعلاج الوصمة المجتمعية ومنع العودة للجريمة. ويبين التقرير مدى استعداده لتحمل مسئولية مشروع صغير أو التشغيل في حالة وجود حرفة أو عدم رغبته في المشروع.

معوقات وتحد

طريق نرمين في العمل الاجتماعي لم يكن مفروشا بالورود إذ تعرضت لمشاكل كانت كفيلة بالإطاحة بحلمها من الأساس. وتقول "واجهتني مشاكل منها عدم الاعتراف بأهمية الفئة المستهدفة، وكيفية اقناع المجتمع بضرورة محو وصمة عار المفرج عنهم، وعدم تعاون بعض الجهات التنفيذية، وعوائق في الوصول للحالات، وتقديم التوعية البيئيه لمحيطهم الأسري المتأثر بالموروث الثقافي حول السجناء وخطورتهم."

تستكمل قائلة "واجهتني أيضا مشكلة حالات النساء بدون عائل أو منزل، ولهذا قمنا بعمل ملجأ آمن للنساء المفرج عنهن بدون عائل والنساء المعنفات حيث استقبلت عددا كبيرا منهن خلال العام الماضي، وأحاول حاليا الحصول على ترخيص لإنشاء ملاجيء في فروع لنا بالمحافظات، وأحيانا يصل الحال بي إلي استقبال هؤلاء النساء في منزلي بسبب زيادة عددهن."

وأضافت "برنامجنا نتاج ثلاثة أعوام من العمل الدؤوب مع فريقي والذي ساعدني فيما كنت أتمنى تحقيقه."

وتتابع أن الامر ليس بالبساطة التي يتخيلها البعض، "إذ أن بعض الحالات لم تستجب لإعادة التأهيل مما يضطرنا دوما لتطوير أفكارنا ومنظومتنا الداخلية بالمؤسسة علي جميع المستويات الخدمية والرعاية، لاستيعاب كافة أنواع طباع ومشاكل وأمراض المفرج عنهم".

وتقول "استهدف ألا يضيع حق لمجرد خطأ في الإجراءات، والأساس إعلاء الحق وليس إعلاء القانون."

وتضيف أن "المجتمع والبيئة والمنظومة القانونية والتشريعية، يجب أن تتغير وتسمح للمفرج عنهم نساء ورجال بمعاودة الانتماء للمجتمع والمساهمة في بنائه، خاصة أن الثورات المتعاقبة وكل ما مرت به مصر مؤخرا ساهم في زيادة أعداد الغارمين والسجناء، ما ينذر بكارثة محتمة إن لم يتم استيعابهم وازالة جميع ما يلحق بهم بعد قضاء عقوبتهم".

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق