سطْوة الجُهلاء

الوطن 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

 (1) الكارثة التى حلّت بالسياسة والإعلام فى مصر المعاصرة.. هى ابتذال القضايا الجادة.. والأطروحات الكبرى.. والنجاح الساحق فى تسفيه المصطلحات والمفاهيم.. والهبوط بها من النقاش الجاد، والتحليل الرصين.. إلى حِفنة من الإفّيهات ونوبات من الصراخ والعويل.

لقد هوتْ الأهداف من تنبيه الغافلين، ودفعْ المتقاعسين، وإضاءة الطريق للدولة والمجتمع، إلى تضليل العامة، ونِفاق المشاهدين!

وبدلاً من أن يكون الحديثُ عن «المؤامرات».. وهى حقائق راسخة فى العلاقات الدولية.. وعن تحديات «الصراع الدولى».. وأبعاد التحديات المحلية والإقليمية.. على نحوٍ ينير الناس ويزيل الالتباس.. أصبح حديث المؤامرات مجرد منافسات تليفزيونية صاخبة.. من أجل الفوز بالإعلانات.. لتصبح بلادنا -وحدها بين أمم الأرض- التى تعرِضُ شاشاتُها معضلات الأمن القومى ومعالم النظام العالمى الجديد.. مصحوباً بالاتصالات الهاتفية مدفوعة الأجر، وبإعلانات مساحيق الغسيل!

(2) إن «نظرية المؤامرة» صحيحة علمياً.. لأنها ببساطة «نظرية السياسة».. أو هى أساس العلاقات الدولية عبْر التاريخ.. يعمل كل طرف لتحقيق مصلحته، التى عادةً ما تتضمن الإضرار بمصالح الآخرين.

وليست الحروب فى العصور الوسطى.. وحروب العصر الحديث.. وصولاً إلى حربيْن عالميتين راح ضحيتهما قرابة المائة مليون نسمة.. إلا تأكيداً لنظرية المؤامرة.

إنّ الحقيقة الملازمة لنظرية المؤامرة.. هى أن المؤامرة تشمل الجميع.. أو هى بتعبير فيلسوف السياسة الإنجليزى توماس هوبز «الكل ضد الكل». ومن أىِّ موقعٍ فى العالم ستجد أن نظرية المؤامرة قائمة.. وفى الولايات المتحدة الأمريكية تنتشر نظرية المؤامرة فى الخطاب السياسى لمرشحى الرئاسة، وتقارير الأجهزة الأمنية، وتصريحات كبار مسئولى الأمن القومى.

وتحظى روسيا والصين بنصيب الأسد فى الاتهام بالتآمر على الولايات المتحدة، وقد سمعتُ من باحث مرموق عمل دبلوماسياً فى واشنطن لعدة سنوات أنه تابع جلسات الكونجرس الأمريكى كثيراً.. ثم فوجئ بتمكُّن نظرية المؤامرة من تفكير الكثيرين من أعضاء الكونجرس.. ولو تمّت ترجمة «حجم الهُراء» الذى يقوله عدد من أعضاء الكونجرس فى هذا الصدد.. لكان صدمةً للديمقراطيين السطحيين.. ومُحدِثى الثقافة السياسية!

(3) لكن أمريكا تبقى فى نهاية المطاف هى القوة الأولى فى العالم لقرنٍ فائتٍ من الزمان.. ويقول مفكرون أمريكيون إنها قد تبقى لقرنٍ آخرٍ.

وعلى ذلك فإن الولايات المتحدة بإمكانِها تحمُّل الكثير.. من الصحافة الصفراء، والحملات الانتخابية الصفراء، والكلمات البرلمانية الصفراء.. ذلك أن ذلك «اللون الأصفر» لا يريد أمريكا ولا يصنع طريقها.

(4) المعضلة عندنا هنا.. أن اللون الأصفر قد تمدّد كثيراً كثيراً.. وأن ابتذال القضايا والمفاهيم صار سائداً وطاغياً.. أطاح «تحالف عديمى الموهبة».. بالذين يعلمون.. وعَصَفَتْ إعلانات البطاطس والشركات الراعية.. بالأدوات الجادة للتعبئة الوطنية، وشحْذ الهِمم.. لمواجهة التهديدات الخطيرة للأمن القومى لبلادنا.

انتصر الجهل على العلم، والإعلان على الإعلام.. وأطاحتْ سطْوة السفهاء برؤية الحكماء.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق