هرمس … نبى الحكمة 

البديل 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتب- سيد مهران

الصدفة وحدها هى التى قادت هرمس وتعاليمه فى بدايات عصر النهضة الأوروبية للظهور على يد حاكم فلورنسا المستنير كوزيمو دى ميدتشى، فبجانب حب الرجل للسلطة أظهر اهتماماً بالغاً بالعلم والفلسفة فأسس أول أكاديمية فى فلورنسا لترجمه الأعمال الفلسفية لأفلاطون، وفى عام 1460م تحصل على أولى المخطوطات الهرمسية  من أحد الرهبان المكلفين بجمع الكتب القديمة له، ومن ثم أرسلها إلى مارسيليو فيكينو القائم بترجمة أعمال أفلاطون، ليترجمها له ويقال أنه أنهى ترجمتها وقرأها له وهو على فراش المرض.

ومع نهاية ذلك القرن صدر لتلك الترجمة من تعاليم هرمس ستة عشر طبعة، وعلى مدار القرنين الخامس والسادس عشر كان لتلك الترجمات أثر بالغ على مفكرى عصر النهضة أمثال: دافنشى، وروجر بيكون، وتوماس مور، بل أن كوبرنيكوس قد افتتح بحثه عن دورة الأفلاك السماوية بكلمات  لهرمس “الشمس هى الكائن الإلهى المرئى” كما كان لتلك التعاليم أيضاً أثرها على قادة الإصلاح البروتستانتى فى أوروبا.

وبعد حوالى قرن ونصف من ظهور الكتابات الهرمسية، أفل نجمها على يد إسحاق كازبون عام 1614م حيث نشر دراسة تحليلة لنصوص هرمس أثبت من خلالها عدم أصالة تلك النصوص، وأنها عبارة عن خليط من فلسفات يونانية ويهودية ومسيحية ممزوجه بالتنجيم والسحر، وكتبت على أيدى تلاميذ من مدرسة الإسكندرية فى القرن الثانى والثالث الميلادي.

وسواء صحت تلك التعاليم لرجل يدعى هرمس أم لم تصح، فإن البحث عن أصل هرمس وتعاليمه شغل العديد من العلماء والدارسين، حيث لم تخلو حضارة أو دين من الأديان من إدعاء نسبة هرمس اليها، فهو عند المصريين القدماء الإله تحوت والملقب بهرمس الهرامسة أو مثلث العظمة لجمعه بين الحكمه والملك والنبوة، ويعزى إليه اختراع الكتابة الهيروغليفية، ورسول الإله والمسئول عن حساب الإنسان أمام محكمة الإله أوزوريس، وظهر عند الإغريق بإسم هرمز ممثلاً بكوكب عطارد، وعند الفرس كرسول من قبل إله الخير أهورامازدا فى الثنائية الزرادشتية.

أما فى الأديان الإبراهيمية فقد عرف فى اليهودية باسم “أنوش” أو”أخنوخ” أحد الأباء العشرة قبل الطوفان وفى الإسلام باسم “إدريس” وكلا الديانتين تقول برفعه إلى السماء من قبل الله، وتحت النصوص الهرمسيه نجد العديد من الأفكار والمعتقدات، ذات قيمة متفاوته كتبت ما بين القرن الثالث قبل الميلاد والثانى الميلادى ويمكن تمييزها كما يرى مارسيا الياد فى كتابه “تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية” بين نوعين، الكتابات الهرمسية الشعبية والتى تحتوى على علوم السحر والكمياء، والكتابات الهرمسية الفلسفية والتى تحتوى على عملين شهيرين الاول” لوح الزمرد” وهو عمل اسطورى يتحدث عن أسرار المادة الحية، والثانى” البيماندر المقدس” أو”رؤيا هرمس” ويحتوى على الحكمه المقدسة وأسرار خلق الكون، والتى كُشفت لهرمس من قبِّل الاله أتوم، وتلك الرؤى تدور على شكل حوار بين هرمس والإله على غرار محاورات أفلاطون.

والمتتبع لتلك الرؤى الهرمسية يجد لها صدى داخل الفلسفة اليونانيه بداية من آراء طاليس عن أن الماء هو أصل الأشياء إلى نظرية الخير الأسمى، التى نادى بها كل من فيثاغورث وسقراط وأفلاطون، مروراً بنظريات الفلاسفة اليونانين عن خلود الروح وتناسخ الأرواح، حيث يرى هرمس أن أتوم قد فاض كلمة على المياه الصاخبة وجعلها حبلُى بجميع أشكال الحياة، وأن الخير الأسمى للإنسان بأن يتحرر من كيانه المادى حتى يستطيع التعرف على عقل الاله (أتوم)، وهذا هو الغرض الروحى من حياة الإنسان، كما أن الروح بعد الموت تصعد إلى السماء لتمر بطبقاتها السبع، وفى كل طبقة تتحرر الروح من أدرانها حتى تصعد إلى الطبقة الثامنة كى تسلم للإله وتصير فى توحد مع الإله “أتوم”،

ويرى كل من” جيمس” و”برنال” فى كتابيهما “التراث المسروُق” و”أثينا السوداء” أن الفلاسفة اليونان قد استقوا آرائهم الفلسفية من نُظم الأسرار المصرية الموجوده داخل المعابد فى طيبة وجامعة أون هوليبولس كما أشار الى ذلك هيرودت فى تأريخه عن مصر.

كما أثرت التعاليم الهرمسية أيضاً على المسيحية من خلال آباء كنيسة الإسكندرية فيرجع كل من القديسين” كليمنت” و”اورجين” مفهوم العالم الذى افتتح به يوحنا اللاهوتى إنجيله “فى البدء كان الكلمة” إلى هرمس الذى يرى أن كلمة الله ظهرت كعمود من لهب يخرج من الظلمة، ففى رؤيا هرمس ينادى الإله على هرمس قائلاً “افهم يا هرمس أن كل ما يرى فيك ويسمع ليس من الأرض بل هو كلمة الله المتجسدة ” الأمر الذى جعل القديس أوغسطين يقرر فى كتابة ” التوبة” أن المسيحية كدين كانت توجد منذ بداية الجنس البشرى حتى لحظة تجسد المسيح.

كما انتقلت التعاليم الهرمسية بدورها إلى الحضارة الإسلامية مع ازدهار حركة الترجمة وانفتاح المسلمين على الحضارات الأخرى، ووجدت بعض الفرق الإسلامية ضالتها في التراث الغنوصي والهرمسى لتبرير أفكارها فجاء بعضها مطابقا للمعتقدات الهرمسية، وجاء البعض الآخر كمحاولة أسلمة لها، وحين نتكلم عن التأثيرالهرمسى  في الفكر الاسلامي نجده فى كتابات: الفلاسفة المسلمون، وأرباب التصوف الفلسفي وبعض الفرق الإسلامية كالباطنية والشيعة الإسماعلية، ونظر إليها اتباع تلك الفرق والفلاسفة والمتصوفة على أنها حكمة استقاها الفلاسفة اليونانين الأوائل من أحد الأنبياء، كما أشار الى ذلك “المبشر بن فاتك” أول مؤرخ للفلسفة اليونانية في تاريخنا، فأثرت تعاليم هرمس على الفلسفة الأسلامية من خلال آراء أفلوطين، التى تأثر بها كل من ابن سينا والفارابى فى نظرياتهم عن العقل الأول، كما ظهرت أيضاً فى تيار عرفانى صوفى ينتسب فى أصوله إلى هرمس، ممثلا فى الفيلسوف الإيرانى يحيى السهرروردي، الذي أخذ بهوس التداخل بين ما أسماه ‘الدين الشرقي الأصلي’ والإسلام لأنه رأى أن حكماء العالم القديم دعوا إلى التوحيد الذي تنزل على هرمس وحاول السهروردي وفلاسفة الإسماعيلية من بعده أن يوفقوا بين المتون الهرمسية التي سبقت الإسلام، وبين ما جاء به الإسلام، لأنهم أقروا أن الوجود واحد إذ هو متجل عن جوهر واحد فاعتنقوا مذهب وحدة الوجود ودافعوا عن وحدة الأديان وجاهروا بما اخذ به جماعة إخوان الصفا.

تلك هى تعاليم هرمس المبثوثه فى ثنايا العديد من ثقافات وفلسفات  الشعوب المختلفة، وسواء كان هناك دخان أسطورى يحيط بشخص هرمس  كما يرى البعض، إلا أن هناك على الأقل شراره من نار الحقيقة، يظهر ذلك فى تعاليم هرمس وحكمته.

“من ذا الذى يستطيع الحديث عنك؟

من ذا الذى يستطيع الحديث إليك؟

أنت اللانهائى الذى يحتوى كل المتناهيات

وليس هناك مكان ليس أنت ،فالكل فيك أنت “

        تسبيحة أتوم ( متون هرمس )

الرابط الدائم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق