فجوة أجيال .. شباب يبتكرون «الثقافة» وأدباء ينتظرونها

الاقتصادية 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الثقافة ما يفعله شباب يسابق الزمن ليصنع مستقبله ومستقبل بلاده باسم التميز والابتكار.

المسافة بين شباب جمعتهم مؤسسة غير ربحية في "هاكاثون مسك"، وبين أدباء وأكاديميين، مدعوين من قبل مؤسسة حكومية، كالثقافة والإعلام، تحت مظلة "مؤتمر الأدباء السعوديين الخامس"، ليست بعيدة بالزمان ولا بالمكان. ولكنها فجوة عميقة في حكم الأجيال، وفي طبيعة ردود الأفعال، لذلك تستحق القراءة والتأمل، من منطلق "الثقافة" وشموليتها المعرفية والجمالية، التي نزعم جميعا حرصنا عليها.

فبينما الشباب اختاروا لتحديهم التقني شعارا مستقبليا بوصفه: "الابتكار الثقافي للغد". اختلف الأدباء حول الماضي، باختلافهم حول معايير الدعوة، وأصول الانتساب لـ"طبقة الأدباء"، فهل الأديب هو الأكاديمي أم الأكاديمي هو الأديب؟ سؤال "البيضة والدجاجة" الذي لا نهاية له، أثير على قلوب كثير، ما دام يفتح باب السجال، والماضي بطبعه يقتات على تدوير أمس، عوضا عن صناعة الغد.

وفي الوقت الذي يتباكى فيه الأديب على لغة الضاد المهجورة، دون أن يعزز حضورها الباهت بعمل ثقافي ذي قيمة مستقبلية، ينكب الشاب على لغته البرمجية، يفك أكوادها ويعيد تشكيل رموزها، على خطى "ثقافة رقمية" غيّرت ولا تزال تغير مجريات التاريخ وجمالياته.

"ثقافة رقمية" يتجاهل الأديب أدواتها المضيئة، إذا ما طُلب منه بعض من الإنصاف ومواكبة العمل الجاد، بينما يعرف دروبها جيدا، بل ودهاليزها المظلمة إذا ما أراد الشجب والاستنكار.

لذلك، هناك من يصنع "الثقافة" وهناك من يستهلكها كل حين، ثم ينتظرها أو يتوسلها لتجود عليه بالدعوات والتكريم والتقدير. صخب قديم، كامن وممجوج، ينتظر المناسبة تلو الأخرى ليصرخ "أنا موجود". ولكن في المقابل هناك بارقة ضوء وأمل، وحماس شباب منقطع النظير، ينتظر الفرصة فقط ليصنع كل ما هو مبتكر وجديد.

الثقافة لم تكن ولن تكون أسيرة للقصيدة أو النقد، للرواية أو السرد. الثقافة تاريخ التدوين رسما ولونا وأبجدية. الثقافة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للسلوك الإيجابي والإنتاج المثمر. ليست بطاقة دعوة للمحافل المحلية والخارجية بقدر ما هي روح التجويد فيما تعلم وتعمل. الثقافة ما يفعله شاب يسابق الزمن ليصنع مستقبله ومستقبل بلاده باسم التميز والابتكار، وليس ما يثيره غاضب، حنقا على تراتبية الحضور ومزايدات التشريف.

و"التقنية" بقضها وقضيضها ثقافة، منذ أول رمح ابتكره الإنسان لالتقاط فرائسه، وحتى آخر هاتف محمول يجوب من خلاله العالم وهو جالس بين زوايا غرفته الأربع. إذ لم يعد هناك حاجة لمزيد من البكائيات على أطلال الأدب، ولا ادعاء التفرد بعذابات النضال الثقافي، فالنخب لم تعد هي النخب ذاتها، ولو توسلت الشعبوية ومفاتيحها العاطفية لتبقى كذلك، فيما الثقافة ومستقبلها أوسع من أن يحصرا في مواقف تضامنية باهتة تحييها وتجمعها نزعات شخصية أو نزاعات محلية.

ويبقى هذا النوع من الثقافة الحاضرة المتجددة هو ما يدركه العالم الحديث، وهو ما يصبو إليه شاب متقد الذكاء يقلب أفكاره وينوّع خوارزميات لغاته وأدواته، أملا فيما هو أدق وأكمل، كشاعر ينتظر ولادة قصيدته الأجمل. ولكن العجز النقدي غير القادر على مواكبة متغيرات الحاضر ومتطلبات المستقبل يبقينا بعيدين عن هذه "الجماليات"، أسرى لقراءات نقدية تقليدية، والأسوأ لسجلات بيروقراطية وقوائم ماضوية تعنى بالتكريم والتأبين، بمن حضر وبمن غاب .. فهلا غابت المزايدات وحضر الإبداع؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق