«خروج بريطانيا» .. الحي المالي قلق من وضعه في المقعد الخلفي

الاقتصادية 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

خلال زيارة في الآونة الأخيرة إلى نيويورك أعربت تيريزا عن امتعاضها من ضغط مارسه عليها مصرفيو "وول ستريت" للحفاظ على تمتع الحي المالي ــــ الذي يبدو جانب منه في هذه الصورة ــــ بإمكانية الوصول إلى كامل السوق الأوروبية المشتركة.

تهيمن تيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، على المشهد السياسي للبلاد في فترة ما بعد "خروج بريطانيا"، وهي زعيمة توَّجها حزبها دون وجود منافسة حقيقية، تستطلع آراء المعارضة الموجهة في حزب العمال وتلْمَح قدوم عقد من البقاء في السلطة. يقول أوليفر ليتوين، كبير مسؤولي السياسة السابق لدى ديفيد كاميرون: "بإمكانها تقريبا أن تفعل أي شيء".

لكن ماي تواجه حاليا اختبارا لقيادتها. بعد مضي ما يقارب 100 يوم على تصويت بريطانيا لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي دفع كاميرون لتقديم استقالته، لا يزال على ماي أن تشرح بالتفصيل كيف ستكون ردة فعلها تجاه أكبر جيشان في تاريخ الحياة السياسية في المملكة المتحدة منذ جيل، لكنها لم تتجاوز حتى الآن ذلك التعليق القصير المنهَك: "الخروج من الاتحاد يعني الخروج من الاتحاد".

ماي التي بلغت 60 عاما أمس، صنعت مكانة لها وزيرة للداخلية تتسم بالتشدد مع موقف متصلب في مسألتي الهجرة والأمن، لكن ملامح رؤيتها للبلاد تتوضح بشكل بطيء جدا. يدعي منتقدوها أن أسلوب العمل الذي اعتمدته في مكان عملها في وزارة الداخلية والذي يتسم بالمركزية لا يناسب دورها الجديد.

وفي الوقت الذي يقترب فيه موعد مغادرة الاتحاد الأوروبي، تتزايد المخاوف في الحي المالي في لندن من أن تركيز ماي على السيطرة على مسألة الهجرة - وتخفيفها لدور وزارة المالية - يمكن أن يجعلها تختار عامل الضوابط الحدودية الأكثر صرامة بدلا من خيار الأسواق المفتوحة.

يقول أحد كبار المسؤولين في وايتهول: "أهلا بكم في وزارة الداخلية البريطانية".

لدى ماي فرصتان للتأكيد على سلطتها خلال الأيام المقبلة في الوقت الذي يجتمع فيه حزبها المحافظ في بيرمنجهام لعقد مؤتمره السنوي. اليوم تلقي أول خطاب كبير لها يتعلق بموقفها من مسألة الخروج من الاتحاد، ومن ثم يوم الأربعاء توضح بالتفصيل وعودها فيما يتعلق "ببناء بلد يناسب الجميع".

الخطابان مرتبطان. تعتقد ماي أن 25 في المائة من البريطانيين الذين صوتوا لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي في حزيران (يونيو) كانوا قد ضاقوا ذرعا بالهجرة المرتفعة، لكن ما دفعهم أيضا هو الشعور بأنه لم يكن لهم أي نصيب في العولمة.

قالت في تموز (يوليو)، قبل دخولها داونينج ستريت: "تأكدوا أن الاستفتاء كان بمثابة تصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنه كان أيضا تصويتا لإحداث تغيير جدي".

تقول رئيسة الوزراء إن كثيرا من الناخبين شعروا بأن قواعد اللعبة تعرضت للتزوير لمصلحة "القلة المميزة" وأنهم "فقدوا السيطرة على سير حياتهم اليومية". وهي تأمل في التوصل إلى حل بريطاني لمشكلة عالمية.

الانتقادات المبكرة التي وجهت إلى ماي تندرج ضمن فئتين هما: أنها تفتقر للسياسات الرامية إلى تحقيق "الإصلاحات الاجتماعية الجدية" التي تنشدها، وعدم رغبتها في تفويض الصلاحيات يجعلها غير مناسبة لأن تصبح رئيسة للوزراء، خصوصا أن القرارات، ولا سيما تلك المتعلقة بالخروج من الاتحاد، على وشك الظهور بسرعة وبشكل مكثف.

التبادل السياسي

قليل من السياسيين من يصل إلى ذروة حياته المهنية ويترك القليل من الأثر السياسي. وماي، وزيرة الداخلية ذات الكفاءة لكن غير المبهرجة بين عامي 2010 و2016، نادرا ما كانت تغامر خارج نطاق عملها.

يقول زميل سابق: "إنها شخص يؤمن حقيقة أن دوره في الحياة هو تحسين الأمور لتصبح بوضع أفضل، وأكثر إتقانا وأكثر تنظيما، وأكثر فعالية قليلا فقط مما كانت عليه في السابق".

كانت ماي تُعرَف في وزارة الداخلية من خلال نهجها الصارم المتعلق بمسألة الهجرة - على الرغم من أن الصافي السنوي للهجرة ارتفع إلى 330 ألف شخص في عام 2015 - وإنفاذ الإصلاحات الأمنية. لكنها كانت ليبرالية في قضايا مثل زواج المثليين. وشنت حملة بشكل متراخ بهدف إبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. باختصار كانت شخصا من الصعب تصنيفه في فئة محددة.

اعتاد الصحافيون على قراءة منشورات المدونات التي كان ينشرها مساعدها نيك تيموثي، الذي صوت لمصلحة الخروج من الاتحاد وأصبح الآن كبير مساعديها في داونينج ستريت، للتكهن بما يمكن أن يكون "مذهب ماي". وحقيقة أن البطل لدى تيموثي هو جوزيف تشامبرلين، ليس من أعضاء حزب المحافظين ولكنه ليبرالي راديكالي غالبا ما ينسب إليه الفضل في تطوير "الاشتراكية في قاعة المدينة"، عملت فقط على تعكير صفو الأمور.

وكان البيان الرئيس الوحيد لماي، المتعلق بالسياسة العامة، الذي ألقته قبل توليها منصب رئاسة الوزراء بوقت قصير في تموز (يوليو)، قطعة كلاسيكية من الخليط السياسي المليء بمواضيع تخص حزب العمال، مثل السياسة الصناعية وشن حملة عنيفة على "السلوك غير المسؤول في الشركات الكبرى" وفرض موقف أكثر حمائية على عمليات الاستحواذ الأجنبية على الصناعات الرئيسة. مع ذلك، عند توليها المنصب، كان أول قرار كبير لها في مجال السياسة هو عودة للمدارس الحكومية، وهي فكرة اعتنقها في السابق حزب الاستقلال الشعبوي في المملكة المتحدة، والرجوع إلى السياسة التعليمية الانتقائية التي سادت في فترة الستينيات. يقول أحد نواب حزب المحافظين: "نحن نتجه في المسار الصحيح. نحن نتراجع عائدين إلى منطقتنا الانتخابية المريحة".

ويتم تصميم هذا الميدان الخاص بسياستها الانتقائية بهدف زيادة مكانتها بين مناطق الطبقة العاملة التي كانت هدفا للاقتتال بين حزب العمال وحزب الاستقلال البريطاني - وهي البلدات التي كانت في الطليعة أثناء التصويت للخروج من الاتحاد. ولا يبدو أن افتقارها للوضوح الأيديولوجي قد سبب أي قلق للناخبين. في استطلاع للرأي أجراه معهد يو جوف هذا الشهر حصلت على تصنيف موافقة صاف بلغ 31+. أما جيرمي كوربين، نظيرها في حزب العمال، فقد حقق سالب 40 في استطلاع الرأي نفسه.

يقول حلفاء رئيسة الوزراء إنها تريد بكل بساطة "التعامل مع الأمور غير الفاعلة في الوقت الراهن"، بدءا من المدارس ذات الأداء الضعيف، وصولا إلى نقص النمو الإقليمي وسلوك الشركات السيئ وفعل أي شيء حيال ذلك. إنه نهج عملي، لكن بعضهم يعتقد بأنه أقل إثارة للإعجاب مما يبدو عليه.

وقرارها تخليص مجلس الوزراء من كثير من أنصار كاميرون - أبرزهم جورج أوزبورن وزير المالية السابق - حصل على موافقة فريقها باعتباره دلالة على أنها تقود "حكومة جديدة كليا". لكن أوزبورن يقول إن ماي لم تُحدِث تغييرا يذكر حتى الآن وإن الوزراء المحدثين في حكومة كاميرون ينتظرون رؤية دليل يثبت أن رئيسة الوزراء الجديدة لديها سياسات كافية لرسم مسار جديد للحكومة.

ورغم ذلك سمحت لها حملة التطهير هذه بالانفصال عن الماضي، لكنها يمكن أن تشكل عبئا عليها فيما لو سارت الأمور على غير ما يرام، لأن أغلبية مجلس العموم لديها تتألف من 17 مقعدا فقط.

وحتى أن هناك وضوحا أقل فيما يتعلق باعتزام ماي التوفيق ما بين هدفيها الاثنين في مجال التفاوض حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي من المتوقع أن يبدأ العام المقبل: السيطرة على الحدود وإمكانية وصول جيدة للسوق المشتركة بالنسبة للشركات البريطانية.

ويقول مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إنهم يشعرون بالصدمة بسبب عدم التحضير في لندن. ووفقا لأحد المسؤولين الأوروبيين: "لم تحرز المفاوضات أي تقدم أبدا". لكن في أروقة الحكومة البريطانية، وفي قطاع الخدمات المالية، هناك شعور سائد بأن تكون الصدارة لأنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي. فهم يرغبون في حدوث انفصال "نظيف"، ما يعني الخروج من السوق المشتركة والاتحاد الجمركي وإبرام صفقة تجارية جديدة مع أوروبا.

ويشدد داونينج ستريت على أن العمل جار وبشكل جيد في جميع أنحاء الحكومة البريطانية لإعداد استراتيجية تفاوضية، لكن ماي تعلم أن الانقسامات طويلة الأمد في حزبها بخصوص أوروبا ستُفتح من جديد في اللحظة التي تعلن فيها تفضيلها لحدوث انفصال قاس أو سلس مع الاتحاد الأوروبي.

وحتى أبسط الأسئلة لا يزال يتعين العثور على إجابة لها. فالوزراء ينتظرون مذكرة من وزارة المالية بشأن ما إذا كان بإمكان بريطانيا مغادرة الاتحاد الجمركي - مع ما يصاحب ذلك من الأعمال الورقية اللازمة وعمليات المراقبة والتأخيرات - دون التسبب في أضرار جسيمة للاقتصاد البريطاني. أما الوزراء المناهضون للخروج من الاتحاد فهم متشككون في المشورة التي تقدمها وزارة المالية، المتهمة بدعم "مشروع الخوف" خلال حملة الاستفتاء.

طبيعة الخروج

تراجع تأثير وزارة المالية على السياسة العامة الأوروبية خلال فترة تولي ماي لمنصبها، التي غالبا ما اصطدمت مع أوزبورن خلال فترة الحكومة السابقة عندما حاولت السيطرة على موضوع الهجرة وعندما ضغط وزير المالية السابق للحفاظ على الحد الأقصى من انتقال الأيدي العاملة. ولا تزال الحجج نفسها قائمة.

في الواقع، الموقف المهيمن للمالية في التسلسل الهرمي للحكومة البريطانية آخذ في التراجع عموما، ذلك لأن ماي تلجأ لزملاء عملت معهم سابقا في مجال الأمن والهجرة عندما كانت وزيرة الداخلية. ويمكن أن تتحقق مخاوف الحي المالي فيما يتعلق بإعطاء تأمين الحدود أولوية أكبر من مسألة حماية الخدمات المالية.

يقول أحد المصرفيين: "عندما نلتقي بعض الوزراء المناهضين لمسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي، دائما ما نتذكر أن الحي المالي كان قد حذر من أن الكثير من الشركات يمكن أن تنتقل إلى فرانكفورت إذا لم ننضم إلى منطقة اليورو".

وأخبرت ماي زملاءها بأنها لم تكن راضية في رحلتها الأخيرة إلى نيويورك بسبب الضغط النشط الذي يمارسه مصرفيو وول ستريت، الذين كانوا يرغبون في استمرار تمتع الحي المالي بإمكانية وصول كامل للسوق المشتركة.

وبدأ أوليفر روبينز، مستشار ماي الرئيسي للشؤون الأوروبية، حياته المهنية في وزارة المالية، لكنه كان لسنوات عديدة منشغلا بقضايا الأمن والاستخبارات بوصفه نائبا لمستشار الأمن القومي.

وعمل تيموثي وفيونا هيل في الحرس الخاص بماي في وزارة الداخلية وهما الآن – بوصفهما كبيري المساعدين المشاركين - أقرب مستشاريها في داونينج ستريت. وكلاهما غارق في السياسات الأمنية، وليس في درجة تعقيد منح الجوازات في الاتحاد الأوروبي لتقديم الخدمات المالية.

يقول أحد نواب حزب المحافظين: "من الواضح أن وزارة المالية لا تحظى الآن بمركز النفوذ الذي تمتعت به أثناء فترة تولي أوزبورن".

فيليب هاموند، وزير المالية، لا يزال المدافع الأقوى في مجلس الوزراء الذي ينادي بـ "خروج سلس من الاتحاد الأوروبي" ويقول أصدقاؤه إنه مقرب من ماي، وهذا رأي يؤكده داونينج ستريت. ويوافقه الرأي أحد أعضاء مجلس الوزراء قائلا: "هما حلفاء وشركاء بالطبع. فهو يشكل قوة متينة".

مع ذلك، ومن خلال ممارسة ضغوط بهدف تنفيذ الخروج خلال فترة زمنية قصيرة، يجري طرح تساؤلات تتعلق بما إذا كانت ماي تتمتع بالقدرة على الإنجاز. يقول أحد الوزراء: "إن أسلوبها العملي غريب. لا أعتقد أنها مقربة لأي أحد ما عدا ستة أشخاص يعملون في مكتبها".

تستغل رئيسة الوزراء الحقيقة التي مفادها أنها هي الشخص المسؤول، وبالتالي تتخذ القرارات الكبرى بنفسها. وقالت لمجموعة من الصحافيين: "أنا لا أتخذ قرارا فوريا أبدا. في الواقع، أنظر إلى الأدلة، وأحصل على المشورة، وأوليها الاهتمام الكبير، ومن ثم أتوصل إلى القرار".

يقول أصدقاء إنها تجد من "غير المريح" لها التكيف مع موقفها الجديد المتضمن استحالة التعامل مع كل قضايا السياسات، لكنهم يقولون إنها تعلم أنه يتعين عليها اقتسام العبء مع الآخرين. ويضيف أحد الزملاء المقربين: "إنها تفوض الصلاحيات فقط للأشخاص الذين تعلم أنه يمكنها الوثوق بهم وهذا أمر يستغرق وقتا كبيرا".

ويلاحظ أحد أعضاء حزب المحافظين ممن حظى بسنوات من الخبرة في الحكومة: "إنها تتبع أسلوبا مصغرا في الإدارة بشكل لا يصدق. فهي لا تتخذ قرارات، فقط تطلب الحصول على مزيد من المعلومات". ويتابع: "كرئيس تنفيذي، يتعين عليك تفويض صلاحيات للموظفين وأن تكون على علم بما تريد. تعمل الحكومة البريطانية بشكل ناجح فقط إذا استطعت الحفاظ على استمرارية الزخم. الأمور آخذة في التعثر".

اجتماعاتها مع الوزراء تركز فقط على الأعمال، بحسب ما يقول بعض الذين حضروا تلك الاجتماعات: "تفتح ملفا وتقول، حسنا (...) ليست هناك أي محادثات جانبية". لكن بعض الوزراء يفضلون ذلك النمط من الحكومة. يقول أحدهم: "أرى أنها شخص يمكن الوصول إليه بسهولة. في مجلس الوزراء وفي لجان المجلس، يكون الوضع أقل رسمية ـ مما كان عليه أثناء فترة كاميرون".

القرارات الكبرى

يشدد كبار موظفي الخدمة المدنية الذين صعقوا بالفكرة التي مفادها أن السلطة ذهبت إلى زمرة سياسية محيطة بماي، على أن مجلس الوزراء ماض "بأسلوب منظم ومرتب"، مع عقد مناقشات وزارية مناسبة وأوراق خاصة بالسياسات ولجان تابعة لمجلس الوزراء. في المقابل، غالبا ما كان كاميرون يعالج السياسة مسبقا مع أوزبورن.

لكن في الوقت الذي وسعت فيه ماي دائرة المشورة التي تحصل عليها في بداية العملية، فهي تصر على اتخاذ القرارات الكبرى.

كان كاميرون يبدأ باكرا ويعمل بنشاط قبل الإفطار من خلال صندوقه الأحمر الذي يشتمل على الأوراق الرسمية. يقول فريق ماي إنها تدقق بكل عناية خلال العمل "في بداية اليوم ونهايته". وحين كانت في وزارة الداخلية كانت أحيانا تتخذ قرارات كبيرة في ساعات الصباح الباكرة.

وفي الوقت الذي تلوح فيه في الأفق محادثات "خروج بريطانيا"، مع برنامج يتشكل للإصلاح الاجتماعي، فإن القرارات التي تواجه ماي ستكون من بين أكبر القرارات التي يواجهها رئيس وزراء بريطاني في أوقات السلم، وربما يصبح من المشاهد المألوفة أن نرى الأنوار في شقتها في داونينج ستريت حتى وقت متأخر من الليل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق