عفاف عبد المعطى تكتب: العدالة فى السماء

اليوم السابع 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لا يحتاج الروائى حسن هند إلى تعريف ولا تحتاج نصوصه – على قلة عددها – إلى تقديم، فقد حمل نصاه الأخيران مهمة تكاد تكون متشابهة، هى كشف واقع الفساد الذى تغوص فيه مصر منذ سنوات ممتدة والأثر الاجتماعى لذلك الفساد، فمنذ صدور "رخصة بغاء" 2008 التى جسدت بحرفية شديدة كم الممالأة التى يقدمها القانونى الأستاذ الذى يسوغ الانحراف فى المجتمع ويزكيه تحت مظلة القانون كى يترقى ويستفيد من النظام، هكذا كان الدكتور عبد الوهاب المحامى المعروف هو أداة الدولة لتمرير القوانين التى من شأنها تحويل كل ما هو غير قانونى إلى ما هو قانونى وبالتالى فساد منظومة العدالة الاجتماعية وبمرور الزمن تصبح دولة القانون دولة بلا قانون يحكمها قانون الغاب فيأكل القوى الضعيف  وتستشرى الطبقية التى من شأنها أن تفسد قائمة أى جماعة اجتماعية.

 


 

ثم يطالعنا الروائى حسن هند بروايته الجديدة "محاكمة تنكرية" الصادرة حديثا، وهو ما يجعل قارئه يتساءل هل الفرق الزمنى بين النصين "الأول رخصة بغاء 2008 " و "الثانى محاكمة تنكرية 2016 " هو ما جعل نص محاكمة تنكرية يفيض بشخصياته على تنوعها وثرائها، وكذلك بفكرة التوغل الغربى فى الشأن المصرى الذى يُقر ويدعم وجود الاستعمار الخفى الذى لا يستعمر أرضا، بل يكمن استعمار العصر الحديث فى الاستعمار التكنولوجى والاقتصادى وفرض الحصار من الدول الإمبريالية التى قررت بسط شرك العولمة بصورتها القصوى على الدول المهزومة غير المنتجة الى تعتبر سوقا مهمة للدول الكبرى خاصة الصناعية .

 

الشخصيات وأسلوب السرد

فى نص "محاكمة تنكرية" نجد طرفين ظالم ومظلوم والأمر على تقليديته إلا أن تفاصيله تفيض بالكثير من التجديد فى الكتابة ومنح القارئ معارفا كثيرة ومتنوعة فى مجالات شتى، شخصيات النص منها الرئيسى وعلى قائمتها الدكتور عبد المنعم الأستاذ الجامعى المحبوب المعروف، وزوجته السابقة السيدة سوزان محمد (المناضلة اليسارية المهزومة) ورجل الأعمال رشاد الصورة الكربونية من رجال الأعمال الدعاة إلى توغل الرأسمالية المتوحشة وهو أيضا أداة من أدوات الغرب لحلب ثروات الوطن  لصالح التوسع فى الاستيراد على حساب احتياجات السوق المحلية وهو ما حدث جليا فى مصر منذ ترسيخ نهج سياسة الانفتاح الاقتصادى بدءًا من سبعينيات القرن المنصرم.

 

الدكتور عبد المنعم الشخصية الرئيسية فى النص يُنتدب للعمل فى إحدى الوزارات خارج الجامعة، لكنه لا يألوا جهدا فى كشف فساد تلك الوزارة السيادية لصالح أحد رجال الاعمال الذى لا يريد ان يبلع الوزارة فحسب، بل يريد أن يبلع اقتصاد مصر بإثرها، ومن هنا فعندما يكشف الدكتور عبد المنعم محاباة الحكومة لرجل الاعمال رشاد وتشجيعه على الاستثمار بما يضر البلد يتصدى د. عبد المنعم لذلك فيتحول من أستاذ جامعى له قامة كبيرة إلى شخص  مُدان ومُعاقب طوال الحياة.

 

هذا هو الصراع الأول والحقيقى بين الأستاذ الجامعى الدكتور عبد المنعم الذى ينبه إلى تخطى رجل الأعمال للقوانين والعصف بها لصالح الغرب ".. فى خبطة شهيرة وبتأيرة لا تخر المياه أوجد للشركة الإيطالية تخريجا بتقسيط سعر تراخيص مصانع الأسمنت التى من المفترض أن تكون بملايين الجنيهات بحيث يتم سداد الثمن بالتقسيط، ومن ثم تخفيض سعر الفائدة للحد الأدنى حتى يسدد قسط السنة من الريع.. يعنى الشركة منهم تأخذ المصنع بثمن المقدّم" (ص86/87).

 

بناء عليه عندما يكشف الدكتور عبد المنعم من موقع المسئولية ذلك التلاعب – وبتحريض من رجل الأعمال رشاد – يعصف به خارج الجامعة ويتحول من أستاذ جامعى مرموق الى متهم مدان بتحقيقات طويلة ومتنامية لا تنفك ان تنتهى إمعانا فى محاصرته وعقابه مدى حياته ولا يفصل فى التحقيقات ولا فى القضية التى يُدان فيها باقتدار بفضل حرفية المحقق كسبان الذى له نصيب من اسمه عندما يكسب مودة الكبار على حساب ظلمه للواقعين تحت مظلة استجوابه.

 

هناك شخصيات لا أدعى أنها ثانوية او هامشية لكنها أقل فى حجم السرد فى النص بالرغم من فاعليتها كأدوات لتحقيق الهدف المنشود وهو العصف بالدكتور عبد المنعم خارج الجامعة وكذلك خارج المؤسسة التى انتدب اليها وذلك بعد أن اكتشف داخل الوزارة الخطأ الاقتصادى الكبير الذى يهدر المال العام لصالح القتصاد الحر الذى يريد رجل الأعمال رشاد استفحاله وهيمنته على الدولة المصرية . وما عمران وعزيز وفكرى إلا رأس الافعى التى تزج بالدكتور عبد المنعم فى دائرة مفرغة من التحقيقات التى لا تنتهى إلا إلى كونه مدانا بغير عقوبة من تحقيق إلى تحقيق إلى ما لا نهاية فلا حكم إدانة ولا حكم براءة ولا عمل جامعى حتى يتحول الدكتور عبد المنعم إلى مخلوق أشبه بشبح يتصرف بآلية ويأس مطلقين.

 

فى رواية محاكمة تنكرية للكاتب حسن هند نجده قد انتهج أسلوب تيار الوعى فى الكتابة وهو الأنسب للنص، فالاسترجاع سواء من الشخصيات – خاصة الدكتور عبد المنعم - أو من الراوى المعرفى الذى يسترجع كى يقدم لنا زخما معلوماتيا، الاسترجاع هو سمة الحكى وكأن الماضى هو الحامل لكل الدلالات، وحياكة المؤامرة وضبطها تماما كى توائم الدكتور عبد المنعم بوساطة المحقق كسبان، وعمران زميل الدكتور عبد المنعم وكذلك الدكتور عزيز رئيس الجامعة والدكتور فكرى، تلك المؤمرة التى طبقوها بحرفية ضد الدكتور عبد المنعم بايعاز من رجل الأعمال رشاد ولمصالحه الشخصية وتنمية ثرواته على حساب استنزافه لثروات الوطن . تلك كانت الطامة التى عصفت بالدكتور عبد المنعم وجعلته سجينا فى سجن كبير هو سجن الوطن وكأن الدكتور عبد المنعم صوت الحق الذى يرى فسادا يضر الصالح الوطنى فيتصدى له ويصبح واحدا ضد الجميع وبالتالى ينكّل الجميع به  فيتحول الى مسخ إنسان.

 

الدكتور عبد المنعم الأستاذ الجامعى المكتوب بدقة وحرفية شديدة ونبض ملموس لا يشعر القارئ أنه غريب عنه، بل إن كل الشخصيات كتبها الروائى حسن هند بإحكام يجعل قارئها يتفاعل معها ويشعر معها أنها جزء منه أو شخصيات يلتقيها قارئها يوميا لصدق رسمها وتجسيد النص وتعبيره عنها. الدكتور عبد المنعم ورجل الأعمل رشاد وجهان متضادان وضديتهما هى التى أوجدت قدرا من ثراء النص، وجود الدكتور عبد المنعم المرموق كأستاذ جامعى مؤثر فى الأجيال التى يدرس لها وصعود الرأسمالية برجل الأعمال رشاد كى يكون أداة للغرب الاستعمارى كلاهما رحلة صعود لكن الفارق أن صعود الأستاذ الجامعى صعود بنَّاء لأجيال جامعية قد تنفع مجتمعها، بينما صعود رجل الأعمال رشاد تحت مظلة الغرب ما هو الا صعود وتوغل للنفوذ الاجنبى المتقدم ضد التخلف وتراجع الإنتاج الوطنى فتصبح ثروات الوطن بوساطة رجل الأعمال رشاد سائغة للغرب وكلما ازداد الغرب توغلا فى الوطن ونهبا لثرواته ازدادت عمولات وموارد رجل الأعمال رشاد الذى يزداد غنى هو  والدول المحرضة له على حساب  إفقار الوطن وتكاثر الطبقات المحتاجة فيه التى لا يواكب دخلها ما يورد إليها من منتجات باهرة تغير وجه المجتمع بأثره إلى المنحى الاستهلاكى.

 

إن وجود الشركات متعددة الجنسيات التى تتاجر وتستثمر فى الوطن العربى صار أمرا واقعا لا محالة، لكن أن يتحول القائمون على هذه الشركات (ملاكها) إلى نهب ثروات الوطن العربى بآليات قانونية فهذا غير مقبول.

 

بنية التضاد فى النص لا تقتصر على عبد المنعم ورشاد فحسب، بل الشخصيات النسائية فى النص بينها تضاد أيضا فالسيدة سوزان محمد الغنية التى تؤمن قشريا بمبادئ اليسار وتطنطن له مجسدة الصورة التقليدية لليسار الحنجورى المتشدق غير الفاعل وهو الأسلوب التى وصفته المناضلة اليسارية الراحلة أروى صالح فى كتابها المهم "المبتسرون" واصفة اليسار المتكلم فقط الفارغ من مضمونه  بأنه الكيتش النضالى ؛ اى المناضل الهش الورقى الذى لا يمتلك سوى الكلام بلا فاعلية.

 

الوجه الآخر لسوزان محمد سَمِيَّتها السيدة سوزان عزت الفقيرة (ووأضح طبعا سخرية النص من الشخصية الثرية الفارغة من المضمون التى تتماس اسميا مع شخصية تحمل اسمها نفسه لكن البون بينهما متسع) سوزان عزت التى تكافح مع السيدة أم إبراهيم (خادمة سوزان محمد التى تقارن بين السوزانتين دائما) لمكافحة شظف العيش.

 

سوزان عزت هى الشخصية التى استخدمها السرد كى تكون الوجه الآخر  مقارنة بالسيدة (الهانم) سوزان محمد زوجة الدكتور عبد المنعم التى ترفل فى النعيم وتحاول أن تبدو مناضلة رغم انها توقن فى قرارة نفسها انها تمثل الكيتش النضالى الذى لا يغير فى المجتمع،  بل ظلت المثقفة سوزان محمد تتكلم وتنتقد شفاهيا طوال حياتها كدئب المثقف غير الفاعل الذى لا يفعل اى شئ سوى التنظير، مما يصيبها بمرض نفسى يضفى بظلال من الكآبه على حياتها بينما تتستر وراء ذلك بالظهور كمذيعة تليفزيونية ايضا لا تفعل شيئا سوى الكلام.

 

وإذا كان رجل الأعمال رشاد أداة للغرب الاستعمارى تُسلطه على نهب ثروات الوطن، فقد كان لابد من أداة أخرى تعلوه وتسيّره بقوامه لتنفيذ الدور المطلوب منه، تلك الشخصية كانت السيدة الإيطالية "ستيفانيا" التى كتبت بداية حياتها سَلِسَلة رومانسية ناعمة لكنها سرعان ما تتغير طبقا للتغير العالمى الجديد فبعد أن كانت فتاة تستمتع بسماع السرد المدهش لحكايات ألف ليلة وليلة التى تدخلها إلى عالم أسطورى، تصبح السيدة التى تمثل الغرب الغازى للوطن بسيرة حياتها وعلاقتها برجل الأعمال رشاد تمثل معبرا مهما فى النص، حيث يتعرف عليها رشاد فى أوربا ثم ما يلبس أن يحضرها للعمل معه فى مصر كى تكون جسرا للعلاقة الثنائية بين عائلات تتحكم فى رأس  المال فى الخارج  ووكلائهم فى الداخل أمثال رجل الأعمال رشاد.

 

المتكلم داخل الرواية و أسلوب السرد

يجد القارئ فى النص تداخلا واضحا بين الذات الساردة متمثلة فى عبد المنعم عندما يروى عن نفسه وعن حياته الشخصية مع الهانم سوزان محمد التى كان عليه دائما الانسحاق أمامها وكذا مع من يحاكمونه خاصة بعد أن جمع معلومات عن نقائصهم الشخصية وفسادهم الذى يحكمون به من مواقعهم.

 

كذلك رشاد منذ نشأته فى الإسكندرية ومن ثم بداية ارتباطه بأعمال والده رجل الأعمال وطموحه الكبير فى أن يتحول من اقتصادى يدير الاقتصاد المحلى إلى اقتصادى يدير الاقتصاد الكونى.

 

التداخل الثانى للراوى الحاكى (الذى كان يُدعى فى الماضى الراوى العليم) ومن ثم يتناوب السرد بقدر يسير مع الراوى البطل ثم يتحول إلى الحاكى الشاهد الذى لا علاقة له بالحدث المحكى ِ (النص الذى يرويه) إنه على معرفة بالاحداث من حيث هى أحداث داخلية ككل العلاقات التى يرفل فيها النص (علاقات عبد المنعم النسائية / علاقات عبد المنعم الأستاذ الجامعى / علاقة رجل الأعمال رشاد كتوكيل داخل البلد او نائب عن من يتحكمون فى اقتصاد العالم/....).

 

للمكان أيضا فى النص جانب كبير من السرد الوظيفى للسارد الحاكى أو للأبطال /الحكائين (د. عبد المنعم أستاذ الجامعة ورشاد رجل الأعمال) وذلك حسب الاسترجاع الذى يستخدمه السارد الحاكى (منطقة وسط البلد بالقاهرة / منطقة الإسكندرية التى نشأ فيها رجل الأعمال رشاد / إيطاليا حيث منشأ ساتيفانيا قبل سحرها بالشرق ومن ثم انتقالها إليه / روسيا حيث دراسة الهانم سوزان محمد للحصول على درجة الدكتوراه التى لم تقدم لها شيئا أو مكانة فى بلدها مصر / الأحياء الشعبية / منطقة الإمام الشافعى حيث حياة الفقراء (سوزان عزت / وأم إبراهيم الخادمة) ومن ثم يعقد القارئ مقارنة لا شعورية بين من يسعون إلى مزيد من البزخ والهيمنة ومن يموتون من الجوع من الفقراء الذين تعج بهم الأوطان.

 

فاض النص بالكثير من الاستشهادات الشعرية فكان لأشعار محمود درويش وصوفية ابن الفارض وحكمة مولانا جلال الدين الرومى وأشعار حلمى سالم – جمال فتحى – محمود الحلوانى – محمد خير. فضلا عن صوفية الحلاج، كان لتلك الاستشهادات الفضل فى متعة كبيرة للقارئ فضلا عن كشف الثقافة الإبداعية للكاتب وقد صيغ كل استشهاد فى موضعه المناسب فأضفى متعة كبيرة لقارئ النص.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق