شهاب الخشاب يكتب «الفهامة 20»: الوزارة

التحرير الإخبـاري 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
ارسال بياناتك
اضف تعليق

إيه لازمة الوزراء؟ السؤال فيه نوع من النقد للنظام القائم، إلا إذا الواحد شد حاله وعرف يتوظّف في الحكومة، وفي الحالة دي لازم يخاف على أكل عيشه وسكتم بكتم. دور الوزراء راجع لحاجات كثيرة، منها تاريخ الدولة المصرية الحديثة والموازنة بين التشريع والتنفيذ وعلاقة الحكومة الرسمية بالنظام الفعلي. بس السؤال مش مجرد إيه دور الوزراء، إنما يعني إيه وزارة أصلاً؟ خلينا نرجع للعصور الوسطى عشان نوضّح المسألة.

من حوالي ألف سنة كتب الفقيه الشافعي أبو الحسن الماوردي كتاب "الأحكام السلطانية والولايات الدينية". الماوردي كان يكتب بصيغة النصيحة، لأنه كان عايز يشرح للخلفاء والوزراء والأمراء في وقته إزاي النظام السياسي لازم يشتغل شرعا. الماوردي عاش أيام الانهيار التدريجي للخلافة العباسية، وحضر صعود السلاطين البويهيين، اللي كانوا بيحكموا بغداد من القرن العاشر للحداشر والخليفة العباسي قاعد يتفرج. وبحكم إن الماوردي مجتهد، ماكتفاش بإنه يشرح أحكام القرآن والسنة فيما يتعلق بالحكم، إنما استند إلى النظام القائم في زمنه عشان ينظّر لترتيب الخلافة الإسلامية الأصح.

الماوردي كان شايف إن الأمة الإسلامية مترتبة زي الهرم. فوق خالص فيه الإمام، وهو خليفة النبي محمد (صلعم) اللي بيحكم أمة لا إله إلا الله، وتحتيه الوزير اللي بينفذ أوامر الخليفة، وتحتيه الأمراء اللي بيحكموا بلاد أو أقاليم بعينها، وتحتهم القضاة وقادة الجيوش ومحصّلين الزكاة. الماوردي كتب بالتفصيل عن المعايير اللي تخلينا نختار الخليفة والوزير والأمير الصح، ومين اللي يقدر يختار (أكيد مش أنا وأنت)، وإيه اللي للإمام وللوزير وللأمير وإيه اللي عليهم، وإمتى ينفع نخلعهم من الحكم.

سيبك من التفاصيل دي وخلينا نركّز في الوزارة. مؤسسة الوزارة حسب الماوردي مجسّدة في شخصية الوزير. الشخصية دي ممكن تبقى نوعين: يا إما وزير تفويض، يا إما وزير تنفيذ. وزير التفويض عنده أوكي من الإمام إنه يحكم الأمة زي ما يحب، كأنه الإمام بالضبط، إلا في ثلاث حاجات: إنه يختار الإمام الجاي، أو إنه يتخلى عن منصبه بمزاجه، أو إنه ينقلب عالإمام الحالي. أما وزير التنفيذ، فالإمام واقف فوق دماغه ومطلوب منه ينفذ أي حاجة يقول عليها الإمام بأمانة وجدية وحرفية.

شاهد أيضا

مافيش أسباب شرعية واضحة للتفرقة بين وزير التفويض ووزير التنفيذ، وفي الغالب الماوردي استنتج الفرق من الحياة السياسية في عصره: طبعا فيه خليفة عباسي بيحكم رسميا، إنما الوزير "المفوّض" (يعني السلطان البويهي) هو اللي بيحكم على أرض الواقع، حتى إذا كان رسميا مجرد "منفذ" لإرادة الإمام، وحتى إذا ما يقدرش يحل محله أبدا.

الوزارة في زمن الماوردي تختلف عن الوزارات في زمننا بشكل بديهي، لأن الوزير ماعادش الوكيل الوحيد للرئيس، وبقى فيه مجموعة وزراء بيتخصصوا في مؤسسات معيّنة لها قوانين وحدود معيّنة. مع ذلك فيه تشابه جذري بين عصر الماوردي وعصرنا: إن شخصية الوزير لسه أهم من مؤسسة الوزارة. يعني مثلا الواحد مايقدرش يتكلم عن سياسات واضحة في وزارة الثقافة، إنما يقدر يتكلم عن سياسات ثروت عكاشة أو فاروق حسني، غالبا لأنهم اتمتعوا بمساحة تفويض تخليهم يقدروا يشتغلوا وينجزوا. ده بيوضّح الفرق الأعمق بين التفويض والتنفيذ: من ناحية فيه وزراء مهتمين بالثقافة عندهم مساحة شغل وجدال تخليهم يحكموا لوحدهم، ومن ناحية ثانية فيه وزراء بينفذّوا اللي بيتقال من فوق وسكتم بكتم.

فإذا سألنا إيه لازمة الوزراء في البداية، لازم نرجع ونسأل إيه لازمة الوزارة كمؤسسة. في عصر الماوردي، الوزارة كانت مؤسسة بيديرها شخص واحد، بينما في عصرنا المفروض إن الوزارة تشتغل بقوانين واضحة ومؤسسات مستديمة عشان تخدم الشعب. مع ذلك الواضح إن الوزارة ما زالت ولاية شخصية أو امتداد مباشر للحاكم، وفي الحالتين تدخّل الحاكم وارد نظريا إن لم يكن فعليا.

وزي ما قال عبدوس الوزير للملك هاموشير: البعير هلك.

أخبار ذات صلة

0 تعليق